تأملات في سورة يوسف
أكثر
لا يأتون بمثله علاقة بين قصة آدم عليه السلام وإبليس وقصة يوسف عليهالسلاموامرأة العزيزة -
ولا أدري لماذا هذه الجنة التي من قبل معظم علماء المسلمين تجاه فكرة أن الجنة التي تهبط منها آدم عليه السلام وزوجه هي جنة أرضية،ولماذا الإصرار على أن أهل السنة والجماعة يجمعون على أن هذه الجنة هي جنة الخلد،وأن الروافض هم الذين يروجون لفكرة أنها جنة أرضية ؟
هذا الموضوع الهام لا يعتمد على علم ديني عميق وليس مفهوم متعلق بالفقه، ولكن يعتمد بدرجة أكبر على التناول العقلي المنطقي، والفهم العميق لآيات القرآن الكريم المتعلقة بالموضوع ومحاولة الربط، والتعامل معها من خلال نظرة شاملة، حتى نصل إلى الحقيقة.
هل كون الجنة التي تهبط منها آدم عليه السلام وزوجه جنة المأوى ،أو جنة أرضية هو موضوع قليل الأهمية؟ ولغير ذلك الأمر أيا كانت هذه الجنة ،وأنّ المناقشة فقط الغرض منها هو الوصول إلى المعلومة كمعلومة فقط وراءها أيه استنتاجات توضح حياتنا الدينية ووعلاقتنا بلا شك أم أن الأمر على عكس ذلك؟
الحقيقة أنني أرى أن الموضوع على جانب كبير من الأهمية وأن قصة آدم والشيطان التي هي عدة آيات من القرآن الكريم ،هي قصة عميقة جدا ولها أعمال وأهداف توجيهية دينية في كيف يجب أن نسلك في حياتنا حتى لا ننقع في براثن الشيطان
أنا لا أزعم أن لدي شيء من علم هؤلاء العلماء الأفاضل المتعمقين في الدراسات الدينية ،والمفسرين الفوريين الذين يعملون جهودهم مخلصين طوال حياتهم للغوص في آيات القرآن الكريم ؛ لاستخراج ما يوفقهم الله إليه من كنوز ، وفهم هذه الآيات ،فقط أقول أنه في المسائل التي تحتاج إلى تفكير ويفكر عقليًا، وليس معلومة يحصل عليها من عالم غزير العلم يجب علي أقبل فكرة بدون اقتناع ،نعم القرآن الكريم مقدس، ويجب قبول كل كلمة وكل حرف فيه إنسان منزل من عند الله ، ولكن تفسير المفسرين يقدم هذه المواضيع مع الاحترام الكامل لهم ليس مقدسًا فهو عمل بشري قابل للأخذ والرد ،يعني لا حرج علي ؛ إنني أعمل عقليًا ورأيت أن افتقر إلى الاقتناع بهذه الفكرة للمفسرين أو تلك ، أو أعمل عقليًا مرة أخرى ووجدت أن هناك تفسيرًا آخر أكثر إقناعًا لي ، نعم أعلم أن التفكير المنطقي العقلاني يتطلب خلفية معقولة من المعلومات الدينية ، وعلى ذلك أنا لست متعصبًا بأي صورة لما أعتقت به ، فقط أعرضه على أهل العلم ليروا فيه ما يروا ، ليس من حقي إذا كان لدي تفسير مختلف لشيء يكاد يبلغ من العمر عامًا واحدًا وهو أعلم وأقدر مني بمراحل بصورة مختلفة تمامًا أن احجبه فربما يكون هناك احتمال ولو ضئيل أن نصل إلى تفسير آخر أكثر قبولا ،الدين لا يمنعنا من أن نعمل عقولنا ، بل يحثنا على ذلك ، بل يمنعنا أن نتقبل ما نفعله عليه آباؤنا بدون تفكير ، وعلى ذلك فنحن هنا سأفعل بإذن الله بتقديم أفكار مختلفة عن الجنة التي أهبط منها آدم وزوجه أيضًا تفسير مختلف لقوله تعالى ولقد هم به لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والحشاء إنه من عبادنا المخلصين ، وأوضح العلاقة بين القصتين ،قصة آدم عليه السلام والشيطان وقصة يوسف عليه السلام وامرأة عزيزة، وبعد هذا أصبحت غير متعصبة لرأيها بأي صورة، ومستعدة لتغييره إذا اقتنعت بغيره، أو إذا رأي من هو أعلم مني أن هذا الفهم غير مقبول وأقنعني بذلك والله يوفقنا جميعا لفهم آياته
الفصل الأول
الشيطان وإغواؤه
بعدما رفض إبليس السجود لآدم عليه السلام تعال يا واستكبارا ،وبعدما أصبح بأمر الله تعالى ملعونا ،مدحورا مذموما إلى يوم الدين وبعد ما طرده من السماواتولا إلى الأرض كما سأبين ،توعد هذا الشيطان ذرية آدم عليه السلام بالإغواء أجمعين إلا عباد الله المخلصين ،وأنه سيكون له من عباد الله نصيبا مفروضا من أهل النار بسبب أو عن طريق هذا الإغواء ،بما يعني أنه فيما يخص محاولة الشيطان إغواء آدم وذريته سيكون هناك مستثنى منه ومستثنى ،المستثنى منه هو ذرية آدم أجمعين والمستثنى من هذا الإغواء هو عباد الله المخلصين
الله في القرآن الكريم ذكر نموذجا قويا لكل حال:
كشف إبليس لآدم عليه السلام بالإغواء عن طريق التزيين في الأرض هو النموذج الذي يصور نجاح الشيطان في تحقيق هذا الغرض اللعين لأن آدم وقتها لم يكن من عباد الله المخلصين وإلا لما استطاع الشيطان إغواءه
في قصة يوسف عليه السلام التي ذكرت على عكس قصة آدم في سورة منفصلة شملت كل تفاصيلها ذكر القرآن صراحة أن هذا النبي الكريم كان من عباد الله المخلصين ، ومع أن هذا الأمر يعني بكل وضوح أن الأمر كانت محاولة الشيطان إغواء يوسف عليه السلام أي تعامل يوسف مع شيطان يحاول إيقاعه في الخطيئة ومقارفة الفحشاء ، ولكن معظم من قرأ لهم التفاسير يحدث عند المواجهة بين يوسف عليه السلام وامرأة عزيزة وهذا يؤدي إلى جعل موضوع القصة يبدو أقل عمقا من حقيقة فكرة القصة القرإنية
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦۖ وَهُمَّا بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَا لِنَصِيرفَ عَنْهُ بَلۤءَ وَٱلۡفَحۡۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا بِلۡمُخَلَصِينَ)
[سورة يوسف 24
حتى أن بعض من تناولوا تفسير هذه الآية قد شطوا كثيرا ونسبوا إلى يوسف عليه السلام ما لا يمكن قبوله حتى في حق الفساق والفاجرين
وقبل أن أبدأ في الحديث عن محاولتي الإغواء الشيطاني لآدم وبنيه أريد أن أناقش موضوع عباد الله المخلصين
لقد طوروا عبادة الله أخلصهم له سبحانه وتعالى فلا يمكن للشيطان أن يخدعهم فكيف تتحقق هذه الحماية من الرضوخ للشيطان وإغوائه ،هل من خلال عوامل إيجابية أو سلبية ؟
بمعنى أنه عندما قال الشيطان
(قَالَ فَبَعِزَّتِكَ لِأُغْوِيَانِهِمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنَهُمْ بِلَخْصِصِينَ ٨٢ - ٨٣] )
[سورة ص هل كان الشيطان يعلم مسبقا ليحدد من هم عباد الله المخلصين وعلى ذلك فلن يبصر على الاقتراب منهم لمحاولة إغوائهم، أم أنه يعلم أيضا مسبقا أن لله عبادا مخلصين وبالتالي لنتمكن وسيفشل في إغوائهم قطعا عند محاولته لتحقيق هذا الهدف، ولكن لا أعلم مقدما من كل المعرفة تأتي فقط بعد الاحتكاك بهم والفشل في إغوائهم، أي أن محاولة التعرض لبني آدم وبنيه ستشمل الجميع مخلصين غير مخلصين ولكن المحاولة الشيطانية هي التي ستؤدي إلى التعرف على من هم عباد الله المخلصين تحديدا وهذه المعرفة بعد الاحتكاك لن تكون مقتصرة على الشيطان فقط ولكن حتى ستشمل نفس هؤلاء العبادات كما يقول الله سبحانه وتعالى في أول سورة العنكبوت
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الْمُحْسِبِّ النَّاسِ أَنْ يَتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَايُفْتَانُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِّكْرَى مِن قَبْلِهِمْ فَعَلَّمَنَّ اللَّهُ الذِّكْرَى صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الذِّكْرَى)
[سورة العنكبوت 1 - 3
لنعرض لآيات الله الكريمة الخاصة بهذا الموضوع لنعلم أي توضيح هو أقرب للحقيقة :
من هم عباد الله المخلصين ؟ هل إخلاصهم لله يحدث بعوامل سلبية بمعنى أن الله يطلع الشيطان من البداية على من هم هؤلاء العبادات وعلى ذلك يستحيل على الشيطان الاقتراب منهم ، أو العوامل الإيجابية ، والقدرات والمبادئ التي تمكنهم من الانتصار على الشيطان ؟
اولا
المفروض أن عباد الله المخلص هم صفوة البشر وعلى ذلك فهم القدوة التي يقتدي بها سائر الناس،ولكي تكون هناك قدرة فلابد أن يتعرض هؤلاء العبادات المخلصين لكل ما يتعرض له باقيا خلق الله من عوامل الفتنة والإغواء ولابد أن تكون الطرق والاسباب التي يتغلبون بها على هؤلاء العبادات على كل ما يؤدي إلى المعاصي والتي من شأنها أن تجعلهم أعلى مايكون،تكون هذه الطرق متاحة لغيرهم،وعلى قدر استخدام الإنسان لها يكون اقترابه أو الابتعاد عن هذا النموذج المثالي
فمثلا إنسان يميل إلى اداء الصلوات المفروضة في المسجد ولا يصحبه الصف الأول ، وهذا يصلح أن يقتدي به لأن لا شيء متاح له ويعتمد فقط على القيام به على العزة والرغبة الصادقة ولكن
لا يمكن الاقتداء بشخص يحرز البطولة كما في مسابقات كمال الاجسام أو رفع الاثقال ،لان هذا يعتمد على قدرات غير متاحة للجميع
الشيطان العدو المبين الذي توعد آدم ونسله بالإغواء والتزيين في الأرض ومن ثم جعل النار مثواهم والعذاب الابدي مصيرهم أجمعين إلا عباد الله المخلصين ماذا لو كان يعلم من البداية من هم عباد الله المخلصين ومن ثم لا يمكن الاقتراب منهم ، نجاة هؤلاء العباد في هذه الحالة ستكون بعوامل سلبية لا يد لهم فيها ، ربما يلقى في روع غيرهم أن قوة الشيطان لا يمكن مواجهتها ولذلك يكفها الله عمن يشاء من البداية وعلى ذلك لا مجال للاقتداء بهذه النماذج العليا ، ولكن كما سنرى في سورة يوسف ، كيف نجا من براثن الشيطان ، وإذا كانت الأسباب نجاته متاحة للجميع ام لا ،وسنرى ايضا في قصة آدم عليه السلام كيف أدي نسيانه وضياع عزمه على الاستقلال لإغواء الشيطان وارتكاب المعصية وهي كلها تتعلق بمسئولية العبادة عن نتائج تعرض الشيطان لهم بالإغواء سواء اكانوا من عباد الله المخلصين أو لم يكونوا كذلك
(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قَضَى الأُمَمُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعَدَ الْحَقِّ وَعَدَّتُكُمْ فَأَخْلَفَكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَابْتُمُ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُو أَنْفُسُكُمْ مَا أَنَا بِمُصْۡرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْۡرِخِی) إِنِّي كَفَرْتُ بِمَاۤ أَشۡرَكْتُمْ مِن قَبْلُۗ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
[سورة إبراهيم 22
الشيطان ليس له سلطان على عباد الله هو فقط يدعوهم فمن الأفضل أن يزيد له فلا يلومن إلا نفسه،الشيطان أيضا يدعو عباد الله المخلصين وهو يجهل أنهم مخلصون ولا يتبين هذا الإخلاص لله إلا بعد فشل الشيطان في إغوائهم عندما لا يستجيبون لدعوته.
ثانيا
.أنا أرى أن الشيطان قد تعرض لعباد معلوم أنهم من عباد الله المخلصين، وليس أوضح من قصة يوسف هنا، فاللّه وصف يوسف بصريح العبارة أنه من عباد الله المخلصين، ومع ذلك نرى كيف تعرض الشيطان له بكل قوة مستعينا ببعض أعوانه، يستغل كافة الظروف المتاحة، كما يعرض الشيطان لكل من نبي الله إبراهيم نبي الله إسماعيل ليثنيهم عن تنفيذ أمر الله بذبح إسماعيل عليه السلام.
وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ وَإِذَا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ سورة الأعراف 200
وَكَذَا جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيْاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [سورة الأنعام 112]
فالشيطان يوحي إلى أعوانه من شياطين الإنس ما يفعلوه يوحي إلى امرأة عزيزة أن تغلق الأبواب، وتراوُد يوسف عن نفسه ويقول هيت لك.
فلنتأمل هذه الآيات
: ( قَالَ فَأَغْوِيتُمْ لِأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَاتِيَانَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) سورة الأعراف 16 - 17
(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوِيتَني لِأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَإِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمَا * ُ الْمُخْلَصِينَ)
[ سورة الحجر 39 - 40 ]
(قَالَ أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَى أَنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)
[سورة الإسراء 62]
قَالَ فَبَعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِين سورة ص
الآيات فيها حديث عن محاولة الإغواء وكيفيته، وحديث عن وعيد لذرية آدم وليس هناك استثناء، عند الحديث عن محاولة الإغواء لا يوجد استثناء: فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، لم يقل إلا عبادك منهم المخلصين، الاستثناء كان من النجاح الفعلي في تحقيق الإغواء ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين وبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ولأحتكن ذريته إلا قليلا ولا تجد أكثرهم شاكرين هذه القلة التي لن يحتنكها الشيطان أو القلة التي ستكون شاكرة لله لن يكون ذلك بسبب عفو الشيطان اختيارا عن إغوائها ولكن لعلمه بعجزه عن تحقيق ذلك بعد الاحتكاك بهم.
:هناك سبب أخير سيتضح من سورة يوسف رابعا
الفصل الثاني
قصة آدم عليه السلام وإبليس
هل كان هبوط آدم عليه السلام وزوجه من جنة الخلد أم جنة أرضية؟
عند مناقشة موضوع الجنة التي أهبط منها آدم بعدما أغواه الشيطان بالأكل من الشجرة المحرمة
نسمع دائما مقولة أن أهل السنة والجماعة يرون أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام وزوجه هي جنة الخلد والسبب غالبا هو أن كلمة الجنة قد واجهت معرفة وهذا يعني من وجهة نظرهم أن المقصود بها شرعا هو جنة الخلد ،كما أن الهبوط يكون من مكان مرتفع إلى مكان منخفض ،ويقولون إن من يرون أنها جنة أرضية هم الروافض ،مع أن بعض العلماء ممن ينتمون إلى أهل السنة والجماعة عليهم أيضا من الأسباب التي تجعلهم على قناعة بأنها جنة أرضية ،فالموضوع هو موضوع فكرة ورأي وحجة وليس اتجاه ديني يتبناه أصحابه
الحقيقة ما أفهمه من آيات القرآن كلها التي تتعلق بهذا الموضوع أن هذه الجنة جنة مع أني انتمي إلى أهل السنة والجماعة ،ولا أمت بصلة لفكر الشرع ،ومع إقراري كبير بأن علمي و تعمقي ديني متواضع للغاية بجوار تعمق هؤلاء العلماء فورياء الذين يتحمسون كثيرا لفكرة كون الجنة جنة الخلد،بما أن الموضوع كما ذكرت بخصوص بحجة ومنطق وطريقة إقناع وأسباب ،فالمطلوب إذا تقديم هذه الأدلة والحجج.
قد تكون هذه الأدلة واهية وغير مقنعة لهؤلاء العلماء الأفاضل وبما أنهم هم الأعلم والأقدر على تقدير قيمة الدليل فنحن سأترك لهم الحكم على هذه الأدلة المأخوذة كلها من القرآن الكريم لتقدير التاريخ ،فإذا رأوا أنها مجرد سوء فهم وخلط شديد أقبل ما يرونه حتى مع عدم إبداء الأسباب ،لأني أثق في علمهم وإخلاصهم لفكرة أهمية الوصول إلى الحقيقة وأدرك أن تمسكهم أو حتى تعصبهم لرأي ناتج عن قناع شديد وليس تحكيم لهوى في نفوسهم فما هي هذه الأدلة التي أراها والتي تجعلني مقتنعة بأن الجنة التي أهبط منها آدم وزوجه جنة أرضية
جنة أرضية وليست جنة الخلد لماذا ؟
هناك عدة أدلة من القرآن الكريم لو دققنا فيها سندرك أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام وزوجه هي جنة أرضية وليست جنة الخلد، الحقيقة أنا أفهم هذا من جميع آيات القرآن الكريم المتعلقة بالموضوع
الدليل الاول
لماذا تعامل الله وهو أحكم الحاكمين بطريقة مختلفة تماما فيما يتعلق بمصية آدم عليه السلام لإنه الله سبحانه وتعالى له عن الأكل من الشجرة المحرمة في الجنة التي أسكنها فيها ثم أهبط منها بعد ذلك ،ومعصية إبليس لله بامتناعه عن السجود لآدم عندما أمره والملائكة بذلك فانصاعت جميع الملائكة للأمر الإلهي وجددت بينما امتنع ابليس عن السجود ؟
،فبينما علم الله آدم كيف يتوب من هذه المعصية فتاب عليه وهداه واجتباه يجد أنه بالنسبة لإبليس لعنه وذمه وحرّه إلى يوم الدين. مرة واحدة إعلانه سبب السجود لآدم
،سأذكر الأسباب التي رآها العلماء الأفاضل ولماذا أنا غير مقتنعة بها وأرى أن هناك تفسيرا آخر أكثر إقناعا لي وأن هذا التفسير الآخر هو أحد الأسباب التي تجعلني مقتنعا بأن الجنة التي أسكنها الله آدم وزوجه كانت جنة أرضية .
ن
يقول بعض العلماء إن السبب في هذا الاختلاف في التعامل هو أن آدم عليه السلام تقبل الأمر التكليفي واحترمه والتزم به في البداية ولكنها تضعف وتنسى ولم يكن له عزم فاستجاب لإغواء إبليس له فعصى نهي الله له عن الأكل من الشجرة ، مما يعني أن معصية آدم عليه السلام كانت معصية مؤمنة معترفة وخاضعة لألوهية الله ،ولذا فهي قابلة للمغفرة والتوبة ،أما إبليس فقد رد الأمر على الله يمنع السجود لآدم من البداية بما يعني كفره بالألوهية التي توجب قبول الأمر ويجب عليه والسعي إلى تنفيذه حتى لو عجز بعد ذلك ،وعلى ذلك فمعصية إبليس هي خطيئة كافر غير قابل للصفح والغفران ويستطرد الشيخ الشعراوي قائلا فإن كنت عاصيا فلتكن معصيتك مثل معصية آدم تقبل أوامر الله واحترمها وجاهد من أجل أن تستمر فإن لم تفعل وأدركتك الدورة الشهرية قبل أن تتوب إلى الله تستمر في منطقة الرحمة الإلهية إن شاء الله سبحانه وتعالى غفر لك وإن شاء عذبك لأن معصيتك معصية مؤمنة ،ولا تكن مثل إبليس فترد الأمر الإلهي لأنك هكذا كفرت بالألوهية فمعصيتك هي معصية كافر بعيدًا عن منطقة الرحمة الإلهية وتوجب عليك العذاب .
رأي آخر يقول ،الاختلاف في تعامل الله سبحانه وتعالى مع معصية آدم ومعصية إبليس هو بسبب أن آدم تاب وأناب ورجع إلى الله فقبل الله توبته ،بينما إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين
رأي آخر يقول إن معصية آدم هي الامتناع عن الالتزام بنهي أما معصية إبليس فهي الامتناع عن تنفيذ أمر وهذا من وجهة نظر أصحاب الرأي العام فرق كبير بين المعصيتين
بالنسبة للرأي الأول :
مع إيماني بأن رد الأمر التكليفي وعدم قبوله من البداية هو كفر بالألوهية يجعل صاحبه بعيدا عن منطقة الرحمة الإلهية ،وأن الإنسان حتى لو كان الأمر الإلهي متعارضا مع هوى نفسه وهو ضعيف أمامه لا يمكنه الالتزام به فعليه أن يتقبله ويحترمه ويوقن من داخله أن عليه تنفيذه وأن عدم القيام بذلك هو معصية ،سيحاسب عليها وأن عليه أن يجاهد نفسه ويتوب إلى الله ويسأل الهداية .
ولكن هل كانت معصية إبليس التي استوجبت اللعن والدحر والذم إلى يوم الدين وبذلك اختلفت عن معصية آدم التي تعامل الله معها بطريقة مختلفة تماما تكمن في أن آدم تقبل الأمر وأن إبليس رفضه، وأنه إن كان إبليس قد تقبل أمر السجود من البداية ولكنه ضعف أمام تنفيذه فلم يسجد مع الملائكة وكان ينوي السجود في وقت لاحق ولكن كبره وحقده على آدم منعه لكان وضع نفسه في وضع أفضل وحظى بشيء من رحمة الله وعفوه ،أنا لا أقتنع بهذا الرأي لماذا؟
أولا
لم يكن اعلان ابليس رفضه السجود لآدم عن طريق تصريحه بهذا كلاما ولكن عن طريق امتناعه فعلا عن مشاركة الملائكة سجودهم لآدم تنفيذا لأمر الله
بما يعني أن المعصية سجلت عليه عندما رفض السجود فحسب كلام الشيخ الشعراوي ما هي الفرصة التي كانت ممنوحة لإبليس ليسجد فيها ولما انقضت اعتبر ممتنعا عن السجود وسجلت عليه المعصية ؟
الحقيقة أن ما أفهمه من القرآن أن أوامر الله لابد أن تنفذ على الفور ،
فعندما يأمرنا الله سبحانه وتعالى بالصيام أو الصلاة أو الصدقة فعلى الإنسان متى بدأ تكليفه أن يقوم بكل هذا على الفور ولكن ما يجعل الأمر قابلا لتعدد الاستجابات له بين التزام وتنفيذ أو ضعف وتهاون وتراخي ، أن وقت تنفيذ الأوامر هذه يستغرق حياة الإنسان كلها وعلى ذلك فقد يبدأ الإنسان ملتزما من البداية ويظل على هذا طوال حياته ،أو ينكص على عقبيه ويتكاسل أو يمتنع ،وقد يحدث العكس يبدأ الإنسان متهاونا غير مبالي ثم تدركه الهداية الإلهية فيحرص على تنفيذ أوامر الله ،أو يظل على معصيته إلى النهاية ولذلك كانت الأعمال بالخواتيم ،وحتى فريضة الحج التي تؤدى مرة واحدة في العمر كفريضة عند استطاعة المسلم ماديا وجسمانيا ،يكون الإنسان المستطيع آثما حتى يؤديها ،وهذا هو حال النهي الذي وجهه الله إلى آدم ،كان على آدم أن يمتنع عن الأكل من الشجرة المحرمة من ساعة ما نهاه الله حتى نهاية حياته و،قدالتزم آدم بالنهي في ( ولكن الشيطان غلبه وأغواه ،البداية
ولكن في حال أمر السجود لآدم الموضوع يختلف فالمطلوب سجدة لآدم عليه السلام يؤديها الملائكة ومعهم إبليس وليس المطلوب أن يظلوا على سجودهم إلى الأبد ، أو ان يظلوا في حالة سجود وقيام ،وعلى ذلك لا أفهم من الأمر الإلهي بالسجود لآدم إلا أنه كان على الجميع أن يسجدوا على الفور بمجرد صدور أمر الله ،وأن المعصية قد سجلت على إبليس بمجرد عدم سجوده مع الملائكة والدليل نفهمه من القرآن الكريم وآياته البينات
(وَلَقَدۡ خَلَقۡنَـٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَـٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ لَمۡ یَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِینَ)
هذه ال إلا الاستثناء من السجود قد سجلت على إبليس بمجرد عدم سجوده مع الملائكة لآدم عليه السلام ،المعصية سجلت عليه بمجرد امتناعه عن مشاركة الملائكة عملية السجود التي كان يجب عليهم تأديتها بمجرد صدور الأمر ونعلم هذا من استخدام حرف العطف ف في قوله تعالى فسجدوا ،لا نفهم من القرآن أن الوقت كان مفتوحا ،أمام إبليس يسجد حينما يشاء
الله أيضا قال لإبليس ،مالك ألا تكون مع الساجدين بمعنى أنه كان عليه أن ينفذ الأمر الإلهي بالسجود لآدم في نفس الوقت الذي سجد فيه الملائكة فورا بعد صدور الأمر ،الموضوع إذا لا يحتمل قبول الأمر ثم الضعف أمام تنفيذه ،المعصية ارتكبت بمجرد عدم سجود إبليس فورا مع الملائكة والله سأله فورها عن سبب عدم سجوده وهو أعلم به ولكنه سبحانه وتعالى يقيم الحجة على إبليس من كلامه
[سورة الأعراف 11]
فَسَجَدَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰۤ أَن یَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِین
[سورة الحجر 30 - 31]
(قَالَ یَـٰۤإِبۡلِیسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِینَ)
[سورة الحجر 32]
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ)
[سورة طه 116]
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦۤۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّیَّتَهُۥۤ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِی وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِینَ بَدَلࣰا)
[سورة الكهف 50]
ثانيا
حتى لو افترضنا أن السبب هو أن معصية إبليس كانت معصية كفر أما معصية آدم فهي معصية مؤمن وهذا القول صحيح ولكن الاعتراض على كونه السبب في اختلاف تعامل الله مع كل من المعصيتين لماذا؟
نعم إبليس كفر بعدم استجابته لأمر الله والقرآن صريح في هذا
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ)
[سورة البقرة 34] :
ولكن هل الكفر يقتصر على إبليس؟ ،العالم حولنا مليء بالكافرين ،وعابدي الأصنام والمستهزئين بالدين والمتكبرين والرافضين لتنفيذ أوامر الله ،ولكن الله سبحانه وتعالى لا يحكم على أحد بمجرد كفره أن يلعن ويذم ويدحر إلى يوم الدين ،الله من صفته الحلم ويمهل المذنب والمسيء والكافر ويعطيهم فرص التوبة والرجوع إليه ،فالله يقول :
(إِنَّ ٱلَّذِینَ فَتَنُوا۟ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمۡ یَتُوبُوا۟ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِیقِ)
[البروج 10]
حتى بعد فتنتهم للمؤمنين والمؤمنات الله الرحيم الحليم يعطيهم فرصة التوبة ويقبلها منهم
(إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَیۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِینَ)
[سورة البقرة 161] الله سبحانه وتعالى يمهل هؤلاء حتى قبيل الموت وبعض الناس يدخل الجنة ولم يركع ركعة لأنه تاب ورجع إلى الله وأناب وآمن من قلبه قبيل موته ،
وحتى فرعون الذي وصل في تكبره وتجبره انه لم يكفر فقط بألوهية الله سبحانه وتعالى بل قد ادعى الالوهية والربوبية ايضا فقد هدد نبي الله موسى عليه السلام أن يجعله من المسجونين إذا اتخذ إلها غيره
(قَالَ لَىِٕنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَـٰهًا غَیۡرِی لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِین
[سورة الشعراء 29]
(فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ)
[سورة النازعات
وليس معنى هذا أن فرعون قد فاق ابليس في الكفر ولكن معصية ابليس كما سأوضح هي معصية فريدة لم يرتكب مثلها مخلوق غيره ، انا هنا اتحدث فقط انه ليس فقط بسبب ان معصية ابليس كانت معصية كافر حكم الله عليه بالذم والدحر واللعن الى يوم الدين لأننا نري كم كان الله سبحانه وتعالى حليما حتى مع فرعون الذي طلب من موسى عليه السلام ان يؤلهه وحده ]
فيقول في سورة طه
(ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔایَـٰتِی وَلَا تَنِیَا فِی ذِكۡرِی ٱذۡهَبَاۤ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ)
[سورة طه 42 - 44]
فعلى الرغم من كل تجبر وتكبر وكفر فرعون فقد أمر الله نبيه موسى وأخاه هارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ،كل هذا الحلم مع مثل هذا الطاغية
ةفي هذه الآيات أيضا
(إِذۡ نَادَاهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰۤ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهۡدِیَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ فَأَرَىٰهُ ٱلۡـَٔایَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ثُمَّ أَدۡبَرَ یَسۡعَىٰ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡـَٔاخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰۤ)
[سورة النازعات 16 - 25]
وهنا أيضا قبل أن يأخذ الله فرعون أخذ عزيز مقتدر أمر نبيه موسى أن يعرض على فرعون أن يتزكى وعرض عليه الهداية وخشية الله .
الله أيضا قبل إهلاك فرعون وجنده انزل عليهم تسع آيات
(وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَایَـٰتِۭ بَیِّنَـٰتࣲۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ إِذۡ جَاۤءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّی لَأَظُنُّكَ یَـٰمُوسَىٰ مَسۡحُورࣰا)
[سورة الإسراء 101]
(فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَایَـٰتࣲ مُّفَصَّلَـٰتࣲ فَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوۡمࣰا مُّجۡرِمِینَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَیۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُوا۟ یَـٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَىِٕن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰۤ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ یَنكُثُونَ)
[سورة الأعراف 133 - 135]
كل هذه الفرص وكل هذا الحلم مع فرعون وقومه ،فلماذا في حال إبليس بمجرد عدم تنفيذه امر الله بالسجود لآدم حكم عليه باللعن الذي يعني الخروج من رحمة الله والذم والدحر إلى يوم الدين، عقوبة فريدة على الرغم من أن المعصية حتى ولو كانت كفرا لم تكن المعصية الفريدة التي ارتكبت، فلابد أن هناك شيئا آخر استوجب أن يكون الذنب أيضا فريدا في نوعه لتكون العقوبة هكذا فريدة،معصية لم تحدث قبلا وغير قابلة للحدوث بعدها
ثالثا
هذا بالإضافة إلى أن كلام الشيخ الشعراوي رحمه الله بأن الإنسان يكون في منطقة الرحمة الإلهية إن شاء غفر له وإن شاء عذبه يقع عندما يموت وهو عاص ولكنه مؤمن بالألوهية يتقبل أوامر الله ويحترمها ويقر بأنه عاص أما البعيد عن رحمة الله فهو من مات وهو رافض للامر الإلهي منكره مستهزئ به فهذا يضعه في موقف الكافر بالألوهية بمعنى أن هذه الأمور تستقر بعد موت صاحبها وليس في أثناء حياته وإبليس لم يمت بعد ومع ذلك عوقب بالذم واللعن والدحر بمجرد كفره ،بما يعني انه لا مجال للتوبة هنا ،الذنب الذي ارتكبه ابليس هو ذنب لا توبه منه
إذا بالنسبة للسبب الأول الذي يبرر اختلاف تعامل الله سبحانه وتعالى مع معصية آدم عن معصية إبليس هو أنه أولا أمر الله بالسجود لآدم يجب أن تقوم الملائكة ومعهم إبليس بتنفيذه على الفور وعلى ذلك فكرة احتمال قبوله واحترامه من إبليس ثم بعد ذلك يضعف وينكس وعدم حدوث ذلك، هي فكرة أراها غير مقنعة وثانيا ،لأن معصية إبليس لو كانت كفرا وردا للأمر الإلهي وعدم قبوله ،هو أمر لا يقتصر على ابليس بل كثيرا ما يحدث ومع ذلك فالعقوبة هنا فريدة في نوعها بما يعني أن المعصية ايضا فريدة وغير قابلة للتكرار
بالنسبة للسبب الثاني
وهو أنه بينما تاب آدم وأناب ورجع إلى الله بعد المعصية فإن إبليس قد أبى واستكبر وكان من الكافرين وأصحاب هذا الرأي يشفعون فكرتهم بقولهم ولو كان إبليس أبدى ندما وتاب إلى الله لقبل الله توبته لأن الله تواب رحيم ،الحقيقة أني أرى أن المقارنة هنا غير دقيقة لأنه بينما علم الله آدم كلمات وعلمه كيف يتوب وتاب عليه فإن هذا لم يحدث بالنسبة لإبليس ،الله سبحانه وتعالى لم يعرض عليه أي توبة فلم يكن استكباره هو عن توبة يؤوب بها إلى الله ويبدي فيها ندما على معصيته ،ولكن استكباره هو في طبيعة المعصية التي ارتكبها وفي سبب ارتكابه لها ،ما يفهم من الأحداث هنا بناء على ذلك أن المعصية التي ارتكبها إبليس ليس لها توبة ،هذا أولا وثانيا لا نجد هنا في سياق الأحداث فرصة لإبليس أن يتوب فبمجرد عدم سجوده مع الملائكة لآدم سجلت عليه المعصية وبمجرد تسجيلها سئل عن سبب ارتكابه لها وبمجرد إجابته أنه لم يكن ليسجد لبشر خلقه الله من طين ،بمجرد تصريحه هذا أعلن الله له العقوبة الشديدة الفريدة ،اللعن والذم والدحر إلى يوم الدين فمتى كان باستطاعته التوبة ،تعجيل الله بالعقوبة يعني أن هذه المعصية مرة أخرى لا توبة لها
أما بالنسبة للسبب الثالث
وهو أن معصية آدم كانت لنهي عندما نهاه الله عن الأكل من الشجرة المحرمة بينما معصية إبليس هي لأمر أمره الله به وهو السجود مع الملائكة لآدم وأصحاب هذا الرأي يقولون أن هناك فارق بين عصيان أمر وعصيان نهي ،وأنا لا أدري ما هذا الفارق،يمكن أن ينظر إلى النهي عن الأكل من الشجرة بأنه أمر بعدم الأكل من الشجرة ،أ وعموما وامر الله ونواهيه يجب الالتزام بها ثم إن الاختلاف الشديد جدا بين تعامل الله سبحانه وتعالى مع كل من المعصيتين لا يمكن تفسيره فقط باختلاف شدة المعصية عندما تتعلق بأمر أو بنهي
إذا ما هو التفسير الذي أقتنع به
تفسير جديد
لماذا اختلف تعامل الله سبحانه وتعالى مع معصية آدم حيث أكل من الشجرة التي نهاه الله عن مجرد الاقتراب منها حتى لا يغريه منظرها بالأكل منها ،عن تعامله مع معصية إبليس حين رفض السجود لآدم مع الملائكة عندما أمرهم الله بذلك ؟
ما أقتنع به هو أن السبب يرجع إلى أختلاف طبيعة وقانون الأمر الإلهي الذي تم معصيته في كل حالة ،مما ترتب عليه اختلاف طبيعة المعصية وبالتالي اختلاف تعامل الله معها
الأمر الإلهي لآدم بعدم الأكل من الشجرة هو أمر تكليفي قابل أن يطاع أو أن يعصى ،عندما نهى الله سبحانه وتعالى آدم وزوجه عن الأكل من هذه الشجرة كان هناك استجابتان متوقعتان ،إما أن يطيعا الله فلا يقربا من الشجرة وهو ما فعلاه في البداية قبل إغواء الشيطان لهما ،وإما أن يعصياه فيأكلا منها وهو ما أدى إليه استجابتهما لإغواء الشيطان ،ولذلك حذرهما الله من عاقبة المعصية لأنها واردة الحدوث ،قانون الأمر الإلهي هنا يسمح بهذا ،الطاعة والمعصية واردتان ولكل منهما عواقبه الطاعة ،نتيجتها الثواب وحسن الجزاء والمعصية تعني أن يكونا من الظالمين ،ظالمين لمن ؟ ظالمين لنفسيهما وهذا التعبير القرآني هو قمة في العمق ،فمن يعص الله لا يظلم سوى نفسه بتعريضها لعقوبة من الله وحرمانها من الثواب ،هل يوجد ما هو أظلم لنفس الإنسان من أن يفعل بنفسه هكذا ،واستخدام هذا التعبير الذي ينفرد به القرآن يدل أيضا على أن آدم وزوجه كانا شخصان ناضجين تماما مؤهلين للتكليف ،الله هكذا يتحدث إلى آدم حديث من يفهم تماما ويعقل بعمق كلام الله ،وليس إنسانا لم ينضج بعد أو في حكم الأطفال ،كما يزعم البعض لأن من أهم شروط التكليف أن يكون المكلف بالغا عاقلا ،الشاهد هنا هو أن آدم وزوجه حتى بمعصيتهما لله لم يخالفا قانون الأمر الإلهي ،المعصية واردة وعلى ذلك التوبة منها واردة كما حدث بعد ذلك ولكن لننظر إلى معصية إبليس
هنا سنرى أن الأمر مختلفا تماما
أمر السجود لآدم عليه السلام كان موجها للملائكة وشمل إبليس الجني معهم ،والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ،ومعنى هذا أن هذا الأمر على عكس الأمر الموجه إلى آدم بعدم الأكل من الشجرة هو أمر غير قابل أن يعصى أصلا ،أمر غير وارد بشأنه إلا نوع واحد من الاستجابة وهو الطاعة وعلى الفور ،وإلا لماذا لم يحذر الله الملائكة ومعهم إبليس من عاقبة عدم السجود لآدم على شدتها ، كما حذر آدم من عاقبة المعصية ،لماذا لم يقل إن من لن يسجد سيلعن ويذم ويدحر إلى يوم الدين ،انظروا إلى الآيات المتعلقة بهذا الأمر كلها
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ)
[سورة البقرة 34]
(وَلَقَدۡ خَلَقۡنَـٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَـٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ لَمۡ یَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِینَ)
[سورة الأعراف 11]
(وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی خَـٰلِقُۢ بَشَرࣰا مِّن صَلۡصَـٰلࣲ مِّنۡ حَمَإࣲ مَّسۡنُونࣲ فَإِذَا سَوَّیۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِیهِ مِن رُّوحِی فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِینَ فَسَجَدَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰۤ أَن یَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِینَ)
[سورة الحجر 28 - 31]
(
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِیناࣰ
[سورة الإسراء 61]
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦۤۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّیَّتَهُۥۤ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِی وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِینَ بَدَلࣰا)
[سورة الكهف 50]
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ)
[سورة طه 116]
(إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی خَـٰلِقُۢ بَشَرࣰا مِّن طِینࣲ فَإِذَا سَوَّیۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِیهِ مِن رُّوحِی فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِینَ)
[سورة ص 71 - 72]
من الواضح أن الله عندما حذر آدم من عاقبة المعصية بالأكل من الشجرة المحرمة كان هذا لأن المعصية واردة الحدوث ،والله هنا لم يعط أي تحذير من عاقبة عدم السجود لأن المعصية غير واردة الحدوث و لو أعطى لكان حدوث المعصية وارد .
إذا خطيئة إبليس الكبرى التي كانت فريدة في نوعها ،واستحقت عقوبة أيضا فريدة وكانت غير قابلة للتوبة والاستغفار منها أنه جرؤ على معصية أمر إلهي ليس في قانونه أن يعصى وليس له الا استجابة واحدة فورية وهي السجود ، وطالما المعصية أصلا غير واردة بشأن هذا الأمر فالتوبة لابد أن تكون غير متاحة ،وهذه المعصية غير قابلة للتكرار لأن مثل هذه الأوامر لا توجه إلا للملائكة والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولكن إبليس عصى هنا لأنه لم يكن من الملائكة ولكنه كان من الجن ففسق عن أمر ربه
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦۤۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّیَّتَهُۥۤ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِی وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِینَ بَدَلࣰا)
[سورة الكهف 50]
إذا هذا الامر الإلهي هو الذي أفرز الشيطان من الملائكة ،وأدى به إلى خروجه وهبوطه من السماوات كلها إلى الأرض كما سأوضح فيما بعد ،حيث إن السماوات هي مكان تسبيح وتعظيم لله يقوم به الملائكة على الدوام دون أن يسأموا أو يفتروا وفي كل شبر فيها وليست مكان ارتكاب معاصي تسمح به طبيعة ابليس الشيطانية
الشيطان لم يرتكب هذه المعصية الفظيعة بجهالة ،الشيطان كان في وضع اختيار بين معصية أمر الله بالسجود لآدم وهو أمر ليس له إلا أن ينفذ وليس له حرية ، الاختيار بين الطاعة والمعصية وبين أن يشارك الملائكة في السجود رغما عنه فانتصر إقدامه على ارتكاب هذه المعصية الفريدة بسبب الكبر الشديد والكراهية العميقة لآدم عليه السلام
والواقع أنه لو تأملنا آيات القرآن لوجدنا أن إبليس يوقن أن ارتكاب مثل هذه المعصية شيء بالغ السوء وأنه ضلال ،نشعر هذا من قول القرآن على لسانه
(قَالَ فَبِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَ ٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ)
[سورة الأعراف 16]
(قَالَ رَبِّ بِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأُزَیِّنَنَّ لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِیَنَّهُمۡ أَجۡمَعِینَ)
[سورة الحجر 39]
تفسير ابن كثير
يخبر تعالى أنه لما أنذر إبليس إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ أي كما أغويتني، قال ابن عباس كما أضللتني،
وقيل بما وضعته في قلبي من الكفر والعناد
إذاعندما يستخدم ابليس تعبير أغويتني هو يقر أنه أتي بفعل ما كان يجب أن يفعله لأن الإغواء يكون بعمل منكر ،ولكنه لا يقر بمسئوليته عن هذا الفعل ربما لأنه يرى أن مجرد توجيه الأمر له بالسجود لآدم هو إغواء له بارتكاب المعصية لأنه أمر ليس على استعداد لتنفيذه بأي حال بسبب كبره الشديد وعداوته لآدم ،والحقيقة أن الله لم يغوه فالأمر موجه إلى الملائكة المخلوقين من نور وليس من نار مثل ابليس فهم أشرف منه ومع ذلك أطاعوا الأمر وسجدوا جميعا ،وكذلك المفروض أن مثل هذا الأمر يجب أن يطاع أيا كان نظرة ابليس اليه وليس من حق ابليس ان يحدد ما يمكنه تنفيذه أو عدم تنفيذه من اوامر الله ،وأيضا لأن الكبر والكراهية اللتين منعتا إبليس من السجود ليستا عذرا لمعصيته بل إنه مسئول عن وجودهما
الحقيقة لم يكن امتناع إبليس عن تنفيذ الأمر الإلهي الواجب التنفيذ هو القانون الوحيد الذي خالفه إبليس فاستحق بسببه عقوبة اللعن والذم والدحر إلى يوم الدين ولكن كان هناك قانونا آخر خالفه إبليس فاستحق بسببه نوعا آخر من العقوبة .
أين عصى إبليس أمر الله له بالسجود لآدم ؟
الفكرة الشائعة أن طرد إبليس بعد المعصية كان من الجنة ،جنة الخلد غالبا، ولكن من أين أتت هذه الفكرة ،لم يذكر القرآن في آية واحدة أن إبليس أو آدم عليه السلام أسكن جنة ما قبل أمر الله الملائكة ومعهم إبليس بالسجود لآدم ، ولم يذكر صراحة أن هذا الأمر قد وجه إلى الملائكة ومعهم إبليس بينما كان آدم عليه السلام في الجنة ،ولم يذكر أبدا بصريح العبارة أن هبوط إبليس وإخراجه كان من أي جنة ولكن بالنسبة لآدم الأمر يختلف تماما الله سبحانه وتعالى أسكنه الجنة
(وَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
[سورة البقرة 35]
وَیَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
[سورة الأعراف 19]
وإهباط آدم وزوجه قد ذكر بصريح العبارة كان من الجنة التي أسكنه الله إياها بعد أن أخرجه الشيطان منها بعد إغوائه له بمعصية الله والأكل من الشجرة المحرمة كما سأوضح
((یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ لَا یَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ كَمَاۤ أَخۡرَجَ أَبَوَیۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ ............................
[سورة الأعراف 27]
(فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ)
[سورة طه 117]
(فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَ ٰ تُهُمَا وَطَفِقَا یَخۡصِفَانِ عَلَیۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰۤ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ)
[سورة طه 121]
فأين أمر الله الملائكة ومعهم إبليس بالسجود لآدم ،وأين خلق آدم
هل خلق آدم وأمر الله الملائكة بالسجود له في الجنة
بالنسبة للقرآن لا يوجد فيه أي ذكر للجنة قبل قوله تعالى
(وَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
[سورة البقرة 35]
(قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومࣰا مَّدۡحُورࣰاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِینَ وَیَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
[سورة الأعراف 18 - 19]
أول ذكر للجنة في هذه القصة هو بعد أمر الله الملائكة ومعهم إبليس بالسجود لآدم ومعصية إبليس لأمر الله وامتناعه عن السجود لآدم تكبرا وكفرا وبعد طرد إبليس وإخراجه من هذا المكان ،من أين نفهم هنا ،أن كل هذا قد حدث في الجنة؟ هذا فضلا عن انه في هذه الآية أيضا تم ذكر زوج آدم لأول مرة ،لم نقرأ انه كان لآدم زوج عندما خلقه الله وعلمه الأسماء كلها وأمر الملائكة بالسجود له وامتناع ابليس وطرده ،كان أول ذكر لزوج آدم عند إسكانه الجنة عندما قال الله ويا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وهذا هو أول ذكر للجنة وزوج آدم هنا ،هل كان هذا يعني يا آدم استمر أنت وزوجك في السكن في الجنة ،أم كان هذا بداية تسكين آدم وزوجه في الجنة ؟
أما بالنسبة للأحاديث ،فهناك حديثان في صحيح مسلم ،
- خَيْرُ يَومٍ طَلَعَتْ عليه الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وفيهِ أُخْرِجَ مِنْها.
الراوي : أبو هريرة | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم : 854 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
وفيه أدخل الجنة ،ألا يعني هذا أنه كان خارجها قبل ذلك ؟ولكن هناك حديث آخر ورد في مسلم أيضا
لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ في الجَنَّةِ تَرَكَهُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إبْلِيسُ يُطِيفُ به، يَنْظُرُ ما هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أجْوَفَ عَرَفَ أنَّه خُلِقَ خَلْقًا لا يَتَمالَكُ.
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم : 2611 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] |
(
فهل خلق آدم أو صور ابتداء في الجنة أم أنه خلق خارجها وأدخل فيها بعد ذلك وطبعا المقصود بالإدخال هو قوله تعالى ويا آدم اسكن انت وزوجك الجنة ، ما أفهمه من القرآن أن أول علاقة لآدم بالجنة هو عندما أسكنه الله وزوجه فيها ،وبدأ تكليفهما فيها بأن قال
(.............. وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
[سورة البقرة 35]
وأنه لم يدخلا في جنة إلا مرة واحدة وقد أخرجا منها بسبب استجابتهما لإغواء الشيطان وأكلهما من الشجرة المحرمة
والملاحظ أيضا أن طرد إبليس وإسكان آدم وزوجه الجنة قد جاءا في نفس السياق
(قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومࣰا مَّدۡحُورࣰاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِینَ وَیَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
[سورة الأعراف 18 -
مما يجعلني أفهم أن الحدثين متقاربان زمنا بما يعني أنه كان هناك مغادرة لكل من آدم وإبليس المكان الذي كانا فيه إلى مكان آخر الأرض كما سأوضح إبليس مطرودا لمعصيته وآدم ليبدأ تكليفه ونرى هنا اختلافا واضحا في الطريقة التي يتحدث بها الله إلى كليهما فبينما حديثه إلى إبليس يتسم بالشدة والتوعد فإن حديثه سبحانه وتعالى لآدم يتسم باللين والتكليف
بعض المفسرين يرى أن الجنة التي أسكن فيها آدم وزوجه لم تكن جنة الخلد كما لم تكن أيضا جنة أرضية ولكنها كانت جنة تجربة ،يجرب فيها احتكاك آدم بالشيطان
السؤال الذي أريد اجابته هنا ،هو هل خلق آدم وسجدت له الملائكة في الجنة ،أين نجد هذا في القرآن وحتى حديث مسلم الذي ذكرته يعني أن آدم لم يخلق ابتداء في الجنة ،ما أفهمه أن آدم خلق في السماء وأمر الله الملائكة ومعهم إبليس بالسجود له فيها وتم طرد إبليس من جميع السماوات إلى الأرض بعد معصيته وامتناعه عن السجود لآدم فيها ،لا أفهم من جميع آيات القرآن إلا أن جنة الخلد هي الجنة التي أعدها الله للمؤمنين بعد موتهم وبعثهم ونشورهم وحسابهم وأن هذا مأواهم ثوابا لطاعتهم وإيمانهم ،وأن عبارة جنة قد وردت كثيرا في القرآن وصفا لمناطق أرضية فيها من آيات الله البديعة من الزروع والثمار والأعناب والنخيل وحتى جاءت معرفة مرة في سورة القلم في قوله تعالى
(إِنَّا بَلَوۡنَـٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَاۤ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُوا۟ لَیَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِینَ)
[سورة القلم 17]
لأن موضوع كونها معرفة في قوله تعالى ويا آدم اسكن انت وزوجك الجنة هو الذي جعل بعض المفسرين يؤكد على أنها جنة الخلد وعلى ذلك لا أجد أي دليل من القرآن على أن آدم قد خلق في جنة الخلد أو أن الملائكة قد سجدت له فيها أو أن إبليس قد طرد منها ،فحتى فيما يتعلق بطرد إبليس هذه هي الآيات
(قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا یَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِیهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِینَ)
[سورة الأعراف 13]
لم يرد ذكر الجنة صراحة وكلمة منها وكلمة فيها يمكن أن تنطبق على السماوات بأسرها لأن التكبر بالقطع ممتنع تماما في السماوات بأسرها وليس في الجنة،
وإذا كان إبليس قد تم طرده بسبب عصيانه فلابد أن يكون من مكان تتواجد فيه الملائكة التي لا تتكبر وتطيع الله ما أمرها والملائكة يأتي ذكرهم دائما على أنهم أهل السماوات في آيات كثيرة
(۞ وَكَم مِّن مَّلَكࣲ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ لَا تُغۡنِی شَفَـٰعَتُهُمۡ شَیۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن یَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن یَشَاۤءُ وَیَرۡضَىٰۤ)
[سورة النجم 26]
(تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ یَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ یُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَیَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِی ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَاۤ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ)
[سورة الشورى 5]
(وَلَهُۥ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا یَسۡتَحۡسِرُونَ)
[سورة الأنبياء 19]
(فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُوا۟ فَٱلَّذِینَ عِندَ رَبِّكَ یُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا یَسۡـَٔمُونَ ۩)
[سورة فصلت 38]
(إِنَّ ٱلَّذِینَ عِندَ رَبِّكَ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَیُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ یَسۡجُدُونَ ۩)
[سورة الأعراف 20
ولا أرى في القرآن أي ذكر يقترن فيه وجود الملائكة في الجنة إلا على سبيل تكريم المؤمنين بعد دخولهم فيها بعد البعث والنشور والحساب والثواب
(جَنَّـٰتُ عَدۡنࣲ یَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَاۤىِٕهِمۡ وَأَزۡوَ ٰجِهِمۡ وَذُرِّیَّـٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ یَدۡخُلُونَ عَلَیۡهِم مِّن كُلِّ بَاب- سَلَـٰمٌ عَلَیۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ)
[سورة الرعد 23 - 24]
(وَسِیقَ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَ ٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَیۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَـٰلِدِینَ)
[سورة الزمر 73] الملائكة في الجنة على سبيل تكريم المؤمنين هؤلاء هم خزنة الجنة وكما يوجد ملائكة خزنة للجنة يوجد أيضا ملائكة خزنة للنار
(وَسِیقَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَ ٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَاۤ أَلَمۡ یَأۡتِكُمۡ رُسُلࣱ مِّنكُمۡ یَتۡلُونَ عَلَیۡكُمۡ ءَایَـٰتِ رَبِّكُمۡ وَیُنذِرُونَكُمۡ لِقَاۤءَ یَوۡمِكُمۡ هَـٰذَاۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ)
[سورة الزمر 71]
(وَنَادَوۡا۟ یَـٰمَـٰلِكُ لِیَقۡضِ عَلَیۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ)
[سورة الزخرف 77]
،إذا الملائكة هم أهل السماوات مع الله ودخولهم الجنة أو النار مرتبط بدخول المؤمنين والكفار بعد البعث والحساب
وعلى ذلك لا يمكن فهم أن إبليس بسبب تكبره قد طرد من الجنة وبقي في السماوات مع الملائكة التي نفذت أمر السجود حتى إن بعض المفسرين يفسر تمكن الشيطان من الاحتكاك بآدم بعد الطرد بأنه وقف على باب الجنة وانتظر حتى اقترب إبليس منه وأغواه والحقيقة لا يمكن أن أفهم أن إبليس بعد الطرد بكل هذه الشدة ومع اللعن والدحر والذم قد بقي في السماوات ولكن لابد ان يكون الطرد من السماوات كلها إلى الأرض المكان الوارد فيه ارتكاب كل أنواع المعاصي
ما أريد التأكيد عليه هنا هو أنه بينما كان أمر السجود لآدم هو أمر غير قابل للمعصية ،موجه لمخلوقات لا تعصى الله ما أمرها وتفعل ما تؤمر ،في مكان المفروض ألا يعصى الله فيه بل هو مكان تسبيح وتمجيد لله سبحانه وتعالى وهكذا كل الأمور متناسقة ومتماشية ،نجد أن النهي عن الأكل من الشجرة التي في الجنة هو نهي قابل أن يطاع أو يعصى بدليل التحذير من عاقبة المعصية موجه لمخلوق مكلف يمكن أن يطيع أو يعصي وقد أطاع وعصى فيه فعلا فلابد أن يكون أيضا في مكان صالح للتكليف الطاعة والمعصية واردتان وهذا لا يمكن أن يكون في جنة الخلد في السماوات ولكن في الجنة الأرضية أي على الأرض مكان التكليف
،وهذا الرأي سيتم تأكيده من السبب الثاني التالي لقناعتي بأن الجنة التي أسكن فيها آدم أولا ثم أهبط منها كانت جنة أرضية
الدليل الثاني
لماذا أهبط آدم وزوجه من الجنة ؟
هل كان هبوط آدم وزوجه من الجنة بسبب ارتكابهما المعصية وعدم التزامهما بنهي الله لهما من الأكل من الشجرة المحرمة في الجنة ؟الحقيقة أنني لا يمكنني أن أفهم هذا أبدا من آيات القرآن الكريم ،الحقيقة أن ما أفهمه أنه كان من الممكن أن يعصى آدم ربه في الجنة ولا يخرج ولا يهبطه الله منها هو وذريته ،حتى لو كانت المعصية في صورة رد الأمر التكليفى مما يعد كفرا وهو ما لا يمكن تصور حدوثه من آدم الذي خلقه الله بيديه وسواه ونفخ فيه من روحه ولكني أقول هذا على سبيل الافتراض ،لماذا
الآيات القرآنية التي تتحدث عن عاقبة المعصية لا تذكر هبوطا من الجنة
(وَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
[سورة البقرة 35]
(وَیَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
[سورة الأعراف 19]
ما يترتب على المعصية حسب هذه الآيات هي أن يكونا من الظالمين أي يظلما نفسيهما، يرتكبان معصية توجب العقوبة مثل أي معصية يرتكبها إنسان على الأرض التي نعيش عليها الآن ،ألا يستخدم الله في كتابه الكريم نفس هذا التعبير دائما عند الحديث عن العصاة والمذنبين والكفار فيصف ارتكاب المعصية بأنه ظلم للنفس
(وَٱلَّذِینَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ یُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ)
[سورة آل عمران 135]
(وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِیُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ جَاۤءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابࣰا رَّحِیمࣰا)
[سورة النساء 64]
(إِنَّ ٱلَّذِینَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ ظَالِمِیۤ أَنفُسِهِمۡ قَالُوا۟ فِیمَ كُنتُمۡۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِینَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوۤا۟ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَ ٰسِعَةࣰ فَتُهَاجِرُوا۟ فِیهَاۚ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَاۤءَتۡ مَصِیرًا)
[سورة النساء 97]
(إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرࣰا فِی كِتَـٰبِ ٱللَّهِ یَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَاۤ أَرۡبَعَةٌ حُرُمࣱۚ ذَ ٰلِكَ ٱلدِّینُ ٱلۡقَیِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُوا۟ فِیهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلۡمُشۡرِكِینَ كَاۤفَّةࣰ كَمَا یُقَـٰتِلُونَكُمۡ كَاۤفَّةࣰۚ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِینَ)
[سورة التوبة 36]
لا يوجد أي ذكر أوتحذير لآدم من الهبوط من الجنة إذا عصى الله وأكل من الشجرة المحرمة بما يعني أن المعصية في حد ذاتها لا تؤدي إلى الهبوط من الجنة ولكن هي ظلم لآدم لنفسه مثل أي معصية ترتكب على الأرض التي نعيش عليها
ثانيا
إذا قلنا إن آدم عليه السلام قد أهبط بسبب المعصية فإن هذه العقوبة لم تخصه وحده ولكن خصت كل ذريته بمعنى أن البشرية كلها قد عوقبت بسبب معصية آدم وزوجه ، وهذا يتعارض مع قوله تعالى
(مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا یَهۡتَدِی لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا یَضِلُّ عَلَیۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةࣱ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا)
[سورة الإسراء 15]
(أَمۡ لَمۡ یُنَبَّأۡ بِمَا فِی صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبۡرَ ٰهِیمَ ٱلَّذِی وَفَّىٰۤ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةࣱ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ)
[سورة النجم 36 - 38]
وهي حقيقة يؤكد عليها القرآن في آيات أخرى كثيرة وتعتبر فرقا ضخما بين النظرة الإسلامية لخطيئة آدم والنظرة المسيحية الحالية التي ترتب عليها كل ما في هذه العقيدة مما يخالف الإسلام
ثالثا
ماذا كان تعامل الله مع هذه المعصية ألم يعلم آدم كيف يتوب وتاب عليه وهداه واجتباه؟
(فَتَلَقَّىٰۤ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتࣲ فَتَابَ عَلَیۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ)
[سورة البقرة 37]
(فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَ ٰ تُهُمَا وَطَفِقَا یَخۡصِفَانِ عَلَیۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰۤ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجۡتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَیۡهِ وَهَدَىٰ)
[سورة طه 121 - 122]
فإذا كانت المعصية نفسها قد غفرها الله فلماذا تبقى تبعاتها التي شملت الجنس البشري كله
فإذا لم تكن المعصية هي سبب هبوط آدم عليه السلام وزوجه من الجنة فلماذا هبطا ؟
لو نظرنا إلى كل الآيات التي تتحدث عن سبب الهبوط لوجدنا أنها لا ترتبط بالمعصية نفسها ولكن بالشيطان
(فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِیهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُوا۟ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ)
[سورة البقرة 36]
(یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ لَا یَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ كَمَاۤ أَخۡرَجَ أَبَوَیۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ یَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِیُرِیَهُمَا سَوۡءَ ٰ تِهِمَاۤۚ إِنَّهُۥ یَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِیلُهُۥ مِنۡ حَیۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّیَـٰطِینَ أَوۡلِیَاۤءَ لِلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ)
[سورة الأعراف 27]
(فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ)
[سورة طه 117]
الإخراج من الجنة مرتبط بالشيطان ولكن لماذا استخدم هنا تعبير الإخراج وليس الإهباط سأتعرض لهذا في وقت لاحق
ولكن ألم يكن إخراج الشيطان وزوجه لآدم من الجنة بسبب إغوائهما بارتكاب المعصية فلماذا لا تكون المعصية نفسها هي السبب في الهبوط من الجنة ؟وهنا يتبادر سؤال
ماذا لو كان آدم عليه السلام وزوجه قد خالفا النهي الإلهي بعدم الأكل من الشجرة المحرمة بعيدا عن الشيطان ،هل كان سيتم إخراجهما وهبوطهما من الجنة ؟ وما الدليل من القرآن ،أنا لا أجد في القرآن ما يدل على هذا ﻷنه عند الحديث عن المعصية نفسها كما ذكرت سابقا لم يذكر أي هبوط ولكن ظلم للنفس يتحمله مرتكبي المعصية وحدهما ولا يشمل ذريتهما لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين
الحقيقة أن الفكرة الشائعة عن سبب إخراج آدم عليه السلام وزوجه من الجنة هو المعصية نفسها بالأكل من الشجرة المحرمة والسبب وراء ذلك أنه - على الرغم من أن آيات القرآن الكريم قد اشتملت على تحذيرين أو نهيين للزوجين من أمرين منفصلين. إلا أنه قد تم دمج الأمرين معا وفهما على انهما يتعلقان فقط بالأكل من الشجرة
كان هناك نهيان لآدم كل واحد له طبيعته وتبعاته والنهيان جاءا في القرآن في سياق منفصل
النهي الأول
النهي عن الاقتراب من الشجرة المحرمة في الجنة وبالتالي عن الأكل منها هذا النهي هو التكليف الأول في تاريخ البشرية تكليف آدم وزوجه ،هذا التكليف تنطبق عليه طبيعة التكاليف التي اختص الله بها الجنس البشري عن سائر مخلوقاته الأرضية الأخرى من حيث أنها
1 أمر أو نهي يستلزم تنفيذه والامتناع عن التنفيذ هو معصية تستحق العقوبة ولذا يوصف من يرتكبها بأنه يظلم نفسه
2 هذه المعصية لا تقع تبعاتها إلا على من ارتكبها فقط لا تقربا فتكونا أي ينطبق عليها قانون ألا تزور وازرة وزر أخرى
3 كونها معصية فهي قابلة أن الله سبحانه وتعالى يغفرها لمن يندم ويتوب إلى الله كما حدث بعد ذلك
النهي الثاني
عن تمكين الشيطان من اخراجهما من الجنة لأن الإخراج من الجنة سيكون سببا في الشقاء
(فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِیهَا وَلَا تَعۡرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُا۟ فِیهَا وَلَا تَضۡحَىٰ)
فكيف يمكن للشيطان أن يخرجهما من الجنة هل بدفعهما إلى خارجها. قطعا لا ولكن باستجابة الزوجين إلى إغواء الشيطان الذي توعده آدم وذريته
فمعنى لا يخرجنكما من الجنة أي لا تدعانه ينجح في إغوائكما بارتكاب معصية فيؤدي ذلك إلى إخراجكما من الجنة ،
ويفهم من هذا أن استمرار آدم وزوجه (وذريتهما من بعدهما كما سأوضح لا حقا )مرهون بنجاحهما في عدم تمكين الشيطان من إغوائهما ومن الملاحظ أن الله هنا لم يحدد الأكل من الشجرة سببا للخروج من الجنة ولكن الاستجابة للاغواء بارتكاب أي معصية والذي ربط الإخراج بالشجرة بعد ذلك انها كانت المعصية الوحيدة المتاحة لأن الامتناع عن الأكل من الشجرة كان التكليف الوحيد الذي كلف به آدم وزوجه
[سورة طه 117 - 119]
هناك سؤالان يتعلقان بهذه الآية القرآنية الكريمة
،السؤال الأول
لماذا قال الله فتشقى ولم يقل فتشقيا حيث الإخراج في الآية يخص كلا الزوجين فلماذا يستخدم الضمير المفرد عند الحديث عن تبعات الإخراج من الجنة ؟
والسؤال الثاني
ما هو مفهوم الشقاء المرتبط بالإخراج من الجنة
بالنسبة للسؤال الأول سأذكر بعض التفاسير
تفسير الطبري وَقَالَ تَعَالَى ذكْرُهُ فَتَشْقَى وَلَمْ يَقُلْ فَتَشْقَيَا وَقَدْ قَالَ فَلَا يُخْرجَنكُمَا لأَنَّ ابْتدَاء الْخَطَّاب منْ اللَّه كَانَ لآدَم عَلَيْه السَّلَام فَكَانَ في إعْلَامه الْعُقُوبَة عَلَى مَعْصيَته إيَّاهُ فيمَا نَهَاهُ عَنْهُ منْ أَكْل الشَّجَرَة الْكفَايَة منْ ذكْر الْمَرْأَة إذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ حُكْمهَا في ذَلكَ حُكْمه كَمَا قَالَ عَنْ الْيَمين وَعَنْ الشّمَال قَعيد اُجْتُزئَ بمَعْرفَة السَّامعينَ مَعْنَاهُ منْ ذكْر فعْل صَاحبه
تفسير القرطبي وَلَمْ يَقُلْ فَتَشْقَيَا لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوف وَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ الْمُخَاطَب وَهُوَ الْمَقْصُود وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ الْكَادّ عَلَيْهَا وَالْكَاسِب لَهَا كَانَ بِالشَّقَاءِ أَخَصّ وَقِيلَ الْإِخْرَاج وَاقِع عَلَيْهِمَا وَالشَّقَاوَة عَلَى آدَم وَحْده وَهُوَ شَقَاوَة الْبَدَن أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ إِنَّ لَك أَلَّا تَجُوع فِيهَا وَلَا تَعْرَى أَيْ فِي الْجَنَّة وَأَنَّك لَا تَظْمَأ فِيهَا وَلَا تَضْحَى فَأَعْلَمَهُ أَنَّ لَهُ فِي الْجَنَّة هَذَا كُلّه الْكِسْوَة وَالطَّعَام وَالشَّرَاب وَالْمَسْكَن وَأَنَّك إِنْ ضَيَّعْت الْوَصِيَّة وَأَطَعْت الْعَدُوّ أَخْرَجَكُمَا مِنْ الْجَنَّة فَشَقِيت تَعَبًا وَنَصَبًا أَيْ جُعْت وَعَرِيت وَظَمِئْت وَأَصَابَتْك الشَّمْس لِأَنَّك تُرَدّ إِلَى الْأَرْض إِذَا أُخْرِجْت مِنْ الْجَنَّة . وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِذِكْرِ الشَّقَاء وَلَمْ يَقُلْ فَتَشْقَيَانِ يُعَلِّمنَا أَنَّ نَفَقَة الزَّوْجَة عَلَى الزَّوْج فَمِنْ يَوْمئِذٍ جَرَتْ نَفَقَة النِّسَاء عَلَى الْأَزْوَاج
في كتاب صفوة التفاسير أي لا تطيعاه فيكون سببا لإخراجكما من الجنة فتشقيا وإنما اقتصر على شقائه مراعاة للفواصل ولاستلزام شقائه لشقائها،
هناك رأيان إذاُ بخصوص استخدام لفظ فتشقى وليس فتشقيا
الأول هو أن حكم حواء في الشقاء هو حكم آدم ولكن بما أن ابتداء الخطاب كان لآدم استمر الحديث عن الشقاء موجها إليه، لأن المعلوم كما يقول الطبري أن حكمها في عاقبة الإخراج هو حكمه .
أما التفسير الثاني والذي يمثله القرطبي رحمه الله فيقول إن آدم هو الأخص بالشقاء لأنه الرجل المسئول عن إعالة نفسه وزوجه ،
من الواضح أن التفسيرين متعارضان ولو صح احدهما فلابد ألا يصح الثاني ، ولكن في الحقيقة أنا غير مقتنعة بأي من التفسيرين ، ولدي تفسير ثالث لمن هو المقصود تحديدا ب فتشقى
سبب عدم قناعتي بالتفسير الذي يقول إن حكم آدم عليه السلام في الشقاء هو نفس حكم زوجه لأن شقاء آدم هو شقاء لحواء وأن القرآن استخدم لفظ فتشقى مراعاة للفواصل فهذا التفسير لا يتناسب مع دقه القرآن لأنه يمكن أن يفهم من استخدام لفظ فتشقى أن الشقاء واقع على آدم نفسه فقط وقد حدث هذا بالفعل حتى إن مفسرا مثل الطبري قد فهم هذا
أما سبب عدم قناعتي بالتفسير الذي يعتبر أن الشقاء سيكون حال آدم وحده لأنه الرجل المكلف بالإعاله حتى إن البعض استنتج من هذه الآية أن الرجل عليه إعالة زوجته في المأكل والمشرب والملبس والإقامة هو أن هذا التفسير سيخلق مشكلة مع الآية التي تليها والتي تليها
الله سبحانه وتعالى استخدم نفس الضمير المفرد في الآيتين التاليتن حيث قال
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِیهَا وَلَا تَعۡرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُا۟ فِیهَا وَلَا تَضۡحَى
وعلى ذلك كان يجب أن يشتمل التفسير أيضا الإجابة على نفس السؤال لماذا استخدم الضمير المفرد المذكر هنا أيضا ،الآيات الثلاثة متتالية ولا يوجد بين الأولى والآيتين التاليتين أي فاصل وسياق الكلام متصل ولا يوجد أي مبرر لاستخدام تفسير آخر لاستخدام نفس الضمير المفرد المذكر بما يعني أن حكم فتشقى هو نفس حكم إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فإذا اعتبرنا تفسير الآية الأولى أن الشقاء سيقع على آدم وحده فلابد أن نعتبر أيضا أن عدم الشقاء المتمثل في ضمان الله عدم حدوث جوع أو عري أو ظمأ أو ضحو في الجنة سيكون مقتصرا على آدم وحده أيضا وهذا شيء غير مقبول لأن الله بالقطع سيوفر كل ضروريات الحياة في الجنة للزوجين وليس لآدم وحده ويدل على أن التفسير القائل بأن آدم وحده هو المقصود بالشقاء خارج الجنة هي فكرة غير مقنعة ،لو كانت الآيات التالية تقول إن لكما ألا تجوعا فيها ولا تعريا وأنكما لا تظمآن فيها ولا تضحيان عندها فقط ممكن نفهم أن الشقاء خارج الجنة سيكون من نصيب آدم وحده ،أما داخل الجنة فلا شقاء لكليهما
والآن ما هو التفسير الذي اقتنع به
قبل أن أتعرض لهذا التفسير يجب أولا بيان المقصود بالشقاء في قوله تعالى فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
الآيتان التاليتان أجابتا بكل وضوح على هذا السؤال
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِیهَا وَلَا تَعۡرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُا۟ فِیهَا وَلَا تَضۡحَى
الآية لا تتحدث عن اضطرار آدم وذريته لبذل المجهود حتى لا يجوعوا ولا يعروا ولا يظمئوا ولا يضحوا حتى نفهم أن هذا هو الشقاء ولكن تتحدث عن انه في الجنة ستتوافر هذه الاحتياجات الضرورية فلن يعانوا من نقصها
وبالتالي خارج الجنة سيكونون عرضةللمعاناة من نقص هذه الضروريات ،المسألة مسألة توفير الضروريات او المعاناة من نقصها وليس بذل المجهود والتعب والنصب او عدم بذله وإلا لو كان الشقاء يعني التعب لكانت الآية اولى ان تشير لهذا التعب في الحصول على هذه الضروريات لان الحصول عليها سيتم بدون تعب او بتعب سواء بقى في الجنة او اخرج منها ٰ)
عندما يقول الله سبحانه وتعالى مخاطبا آدم عليه السلام إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ، فالذي أفهمه أن الشقاء خارج الجنة سيكون التعرض للمعاناة من نقص هذه الضروريات ، بمعنى انه سيكون عرضه لما نعايشه على هذه الأرض من مجاعات تفتك بآلاف وملايين البشر ، ونقص الماء كما في الصحاري الممتدة في أنحاء الكرة الأرضية والعري بسبب الفقر أو نقص مواد الكساء ، والتشرد وفقدان المأوى والتعرض لوهج الشمس الحارق ، وليس مجرد الكد والتعب والجهاد في سبيل الحصول على هذه الضروريات التي لا غنى عنها في الحياة الدنيا ، الله لم يعد آدم أنه داخل الجنة سيحصل على حاجته بدون مجهود من جانبه حتى نفهم أن معنى الشقاء خارجها سيكون مجرد التعب والنصب ، بل على العكس لا افهم أن آدم حتى ولو نجح في مغالبة الشيطان وبقي في الجنة انه سيحصل على حاجته بدون جهد مقابل ، آدم كان يعيش حياة دنيوية قضت سنة الله فيها أن يسعى الإنسان ويكد ويتعب للحصول على احتياجاته ، فهم الشقاء على أنه مجرد تعب الحصول على الرزق يعطيه معنى ضعيفا هينا لا يتناسب مع الموقف ، هذا النوع من الشقاء ليس فقط سنة الله في الحياة الدنيا بالنسبة للإنسان ، ولكن تقريبا بالنسبة للغالبية الساحقة من الكائنات ، الطيور والحيوانات تهاجر آلاف الأميال للحصول على الطعام والماء وكذلك الحشرات ، هو شقاء يتقبله الناس وعلى استعداد له ، وماذا وراءهم من عمل أو هدف في الحياة أهم منه ، وأحيانا يكون طلبا بعيد المنال ، في قصة نبي الله يوسف عليه السلام ، كان هناك حلم الملك الذي فسره يوسف والذي أنقذ البلاد من مجاعة تقضي على الأخضر واليابس ، هذه المجاعة هي في الحقيقة الشقاء بمفهومه الحقيقي الذي حذر الله آدم منه والذي لم يكن ليحدث بأي احتمال بنص القرآن لو بقى آدم في الجنة ، فعندما نصح يوسف عليه السلام المصريين يزرعوا سبع سنين دأبا لم تكن هناك مشكلة بل كانوا ممتنين لتغلبهم على هذه الأزمة الطاحنة كان الشقاء بسبب نقص المطر ،أي نقص أسباب قضاء حاجتهم الضرورية من طعام وشراب وملبس ومأوى
بما يعني انه على عكس ما يقولون التعب والنصب سبع سنين كان ضرورة لعدم حدوث الشقاء ،
عندما وعد نبي الله نوح قومه بأنهم إن عبدوا الله أرسل السماء عليهم مدرارا الوعد لو تأملناه لرأيناه يعطي بدرجة ما معنى ان لك ألا تجوع ٥فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى لأن المطر ضرورة للحصول على الطعام والشراب والملبس والوقاية من حر الشمس ولأن الماء هكذا هو الحياة وعن طريقة نحصل على كل ضرورات الحياة فهذا وعد ثمين بكل المقاييس لأنه يعني تجنب التعرض للشقاء بمعناه الحقيقي ، ولا يفهم من هذا الوعد ولا يقلل من شأنه كون ما سيحصلون عليه هو أسباب الرزق التي تتطلب المجهود والمشقة لكي تؤتي نتيجتها وليس الرزق نفسه بدون أي مجهود من ناحيتهم ،أيضا المجاعات التي تحدث في افريقيا دائما تكون بسبب الجفاف ، عشرات ومئات الآلاف من الناس يموتون هلاكا من الجوع والعطش ،هذا هو الشقاء الذي لم تكن ذرية آدم لتتعرض له لو استطاع آدم أن يواجه الشيطان حتى وفاته ،فماذا لو استطاع هذا وبقي في الجنة ولكن عجز بعض من نسله عن مواجهة الشيطان ،بالقطع لن يخرجوا من الجنة ،فقط سيكونوا من الظالمين لأن الإخراج من الجنة واقع على آدم وزوجه مسئولية يتحملانها عن نفسيهما وذريتهما عاقبتها الإهباط من الجنة لهما ولذريتهما جميعا لأن الشيطان عندما توعد ذرية آدم بالتزيين في الارض والإغواء كان رد الله عليه أن جهنم ستكون موعد هؤلاء الذين اتبعوا الشيطان جميعا
(قَالَ رَبِّ بِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأُزَیِّنَنَّ لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِیَنَّهُمۡ أَجۡمَعِینَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِینَ قَالَ هَـٰذَا صِرَ ٰطٌ عَلَیَّ مُسۡتَقِیمٌ إِنَّ عِبَادِی لَیۡسَ لَكَ عَلَیۡهِمۡ سُلۡطَـٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِینَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوۡعِدُهُمۡ أَجۡمَعِینَ)
[سورة الحجر 39 - 43]
ثم إن الحديث عمن عليه مسئولية الإعالة ، أو أن الإعالة تعني المأكل والملبس والمشرب والمأوى هي أمور فقهية ، والمسائل الفقهية تأتي عندما يكون الوضع مستقرا والنبي وسط قومه ، وآدم هنا أمامه مسئولية لم يتحملها إنسان بعده ،الوضع بالنسبة له شديد الحساسية والغموض لا يدري هل سيمكنه الاحتفاظ بالجنة فيحيا فيها وذريته من بعده أو سينجح الشيطان في إخراجه ؟ الموضوع يخص نظامين للعيش في هذه الحياة الدنيا ، نظام في الجنة يتعهد الله سبحانه وتعالى فيه أن يوفر للإنسان كل احتياجاته بتوفير أسبابها بحيث لا يعاني أي نقص فيها وذلك إن نجح آدم وزوجه في مقاومة إغواء الشيطان ، ونظام يتعرض الإنسان فيه للشقاء والمعاناة من الجوع والظمأ والعري والحر والعداوة أيضا بين بعض أبناء آدم والبعض الآخر إن نجح الشيطان في هذا الإغواء ، والفارق بين النظامين عظيم جدا ويستغرق عمر الإنسانية كلها ومن كل إنسان عمره بأكمله ، فهل هذا حال مناسب لتلقي التوجيهات الفقهية ؟
الواضح أن الذي جعل المفسرين يفهمون الشقاء على أنه التعب والكد في سبيل الحصول على احتياجاتهم الضرورية من مأكل ومليس ومشرب ومأوى هو افتراضهم أن الجنة التي اسكن الله الزوجين اياها في البداية كانت جنة الخلد حيث لا تعب ولا نصب ولا مجهود من اجل الحصول على الضروريات
والآن لماذا استعمل الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم لفظ فتشقى ولم يقل فتشقيا تمشيا مع قوله تعالى فلا يخرجنكما ؟
الله سبحانه وتعالى عندما يتحدث عن آدم عليه السلام كونه أول الخلق الإنساني يتحدث عنه إما بصفته الإنسان ممثل الجنس البشري أو بصفته آدم شخص بعينه ،بمعنى أن هناك أشياء تتعلق به يمثل فيها الجنس البشري كله وأشياء أخرى تخصه وحده ،عندما يتحدث الله عن آدم كإنسان يستخدم لفظة إنسان أو يكون الكلام موجها إلينا كبشر ولكن عندما يتحدث عنه بصفته الشخصية فإنه يستخدم لفظة آدم أي يتحدث عنه باسمه لنتأمل هذه الآية
(وَلَقَدۡ خَلَقۡنَـٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَـٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ لَمۡ یَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِینَ)
[سورة الأعراف 11]
الله لم يخلقنا ويصورنا نحن أولا ثم قال للملائكة بعدها اسجدوا لآدم ، الله خلق آدم وصوره ثم أمر الملائكة بالسجود له ، وبعدها خلق زوجه وأسكنهما الجنة ،هنا خلق آدم وتصويره يمثل خلق الجنس البشري ،فمن آدم جاء الجنس البشري كله ،الله يؤكد في القرآن أن البشر جميعا قد خلقوا من نفس واحدة ،هي نفس آدم عليه السلام
( یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِی خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسࣲ وَ ٰحِدَةࣲ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالࣰا كَثِیرࣰا وَنِسَاۤءࣰۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِی تَسَاۤءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَیۡكُمۡ رَقِیبࣰا)
[سورة النساء 1]
الله خلق نفس واحدة أولا هي نفس آدم ومنه خلق زوجه ثم بث جميع البشر منهما
(وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسࣲ وَ ٰحِدَةࣲ فَمُسۡتَقَرࣱّ وَمُسۡتَوۡدَعࣱۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡـَٔایَـٰتِ لِقَوۡمࣲ یَفۡقَهُونَ)
[سورة الأنعام 98]
(۞ هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسࣲ وَ ٰحِدَةࣲ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِیَسۡكُنَ إِلَیۡهَاۖ ..............َ)
[سورة الأعراف 189]
(خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسࣲ وَ ٰحِدَةࣲ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا .....َ)
[سورة الزمر 6
فبالنسبة لعملية الخلق هنا آدم إنسان يمثل البشر جميعا وعلى ذلك نجد الآيات التي تتحدث عن الخلق تستعمل لفظة إنسان او يكون الحديث موجها إلينا كبشر
(وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن صَلۡصَـٰلࣲ مِّنۡ حَمَإࣲ مَّسۡنُونࣲ)
[سورة الحجر 26]ومع أن آدم عليه السلام هو الذي خلق من صلصال فإن مفهوم الخلق من الطين بمراحله قد سرى على البشر جميعا
(وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةࣲ مِّن طِینࣲ)
[سورة المؤمنون 12]
(ٱلَّذِیۤ أَحۡسَنَ كُلَّ شَیۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَـٰنِ مِن طِینࣲ)
[سورة السجدة 7]
(فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَاۤۚ إِنَّا خَلَقۡنَـٰهُم مِّن طِینࣲ لَّازِبِۭ)
[سورة الصافات 11]
ولكن عندما يتحدث القرآن عن سجود الملائكة يذكر في كل مرة آدم بالاسم مما يعني أن فعل سجود الملائكة لآدم لا يسري على الجنس البشري كله ولكن يخص آدم وحده للخصوصيات التي وضعها الله فيه فقد خلقه بيديه وسواه ونفخ فيه من روحه لا يصح القول أن سجود الملائكة لآدم عليه السلام يعني سجودهم للبشر جميعا لأني أرى أن البعض يتحدث عن أن الله فضل البشر على الملائكة حتى أسجد الملائكة لهم ،هذا القول لا أفهمه أبدا من القرآن ولنتأمل الآيات
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ)
[سورة البقرة 34]
(وَلَقَدۡ خَلَقۡنَـٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَـٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ لَمۡ یَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِینَ)
[سورة الأعراف 11]
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِینࣰا)
[سورة الإسراء 61]
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦۤۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّیَّتَهُۥۤ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِی وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِینَ بَدَلࣰا)
[سورة الكهف 50]
(وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ)
[سورة طه 116]
لا توجد آية واحدة تقول وإذ قلنا للملائكة اسجدوا للإنسان أو أسجدنا لكم الملائكة
فما علاقة هذا بموضوعنا ؟
لو نظرنا لقصة آدم عليه السلام وإغواء الشيطان له لوجدنا أن هناك فعلان ،فعل الإخراج من الجنة وفعل الهبوط منها أو الإهباط منها ما معنى كل منهما
ذكرت سابقا أنه كان هناك مخالفتان نهى الله آدم وزوجه عن ارتكاب أيا منهما ،المخالفة الأولى هي الأكل من الشجرة توصيفها أنه التكليف الذي كلف به آدم وزوجه المخالفة تعني معصية ،تعني ظلمهما لنفسيهما ،ولا تقع تبعات هذه المعصية إلا على مرتكبيها آدم عليه السلام وزوجه ولا تنسحب أبدا على بقية نسله لأن هذا يتعارض مع قوله تعالى ألا تذر وازرة وزر أخرى ولذلك قال الله لا تقربا ،فتكونا ،كما أن هذه المعصية قابلة أن يغفرها الله لمرتكبها ويتوب عليه كما حدث ،
المخالفة الأخرى والتي جاءت في سياق منفصل عن المخالفة الاولى هي التحذير من تمكين الشيطان أن يخرجهما من الجنة ،فكيف سيخرجهما الشيطان ،هل سيدافعهما إلى خارج الجنة ؟قطعا لا ولكن العلاقة بين الشيطان وآدم التي ستمكنه من إخراجهما هي استجابتهما لإغوائه الحال هنا مختلف عن أمر المعصية نفسها لو نظرنا إلى الآيات التي تتعلق بالإخراج من الجنة وهي
(فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِیهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُوا۟ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ)
[سورة البقرة 36]
(یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ لَا یَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ كَمَاۤ أَخۡرَجَ أَبَوَیۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ ...............
[سورة الأعراف 27]
(فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ)
[سورة طه 117]
لوجدنا أولا أن الإخراج في كل الآيات منسوب إلى الشيطان وثانيا أنه واقع حصريا على آدم وزوجه ،على الرغم من أن الإخراج قد جاء في أعقاب الاستجابة لإغواء الشيطان لهما بارتكاب المعصية إلا أنه لا يحدث مباشرة بسبب المعصية ولكن بسبب انها حدثت بسبب إغواء الشيطان ،الله عندما تحدث إليهما محذرا من الاكل من الشجرة لم يربط المخالفة بإخراج من الجنة ولكن بظلم لهما لنفسيهما بما يعني أن هذه الجنة وارد حدوث المعصية فيها ولا يؤدي هذا الحدوث إلى الإخراج منها ، ولو كان آدم قد أكل من الشجرة بعيدا عن الشيطان وإغوائه فلا يوجد دليل قرآني على أنهما كان سيهبطان من الجنة فماذا يعني الإخراج وماذا يعني الهبوط
ما أفهمه من آيات القرآن الكريم أنه كان هناك موضعان على الارض كان يمكن أن يكلف آدم وذريته في أي منهما
الموضع الأول هو الجنة الأرضية التي تعهد الله لهما فيها أن يوفر الأسباب لقضاء جميع احتياجاتهم الضرورية من مأكل ومشرب وملبس وإيواء حماية من وهج الشمس ،والموضع الثاني هو الأرض خارج هذه الجنة والتي سيعاني فيها آدم وذريته من الشقاء المتمثل في عدم توفير اسباب قضاء احتياجاتهم الضرورية هذه حيث سيكون هناك معاناه من المجاعات والظمأ والعري بسبب الفقر او نقص الموارد وغياب المأوى
الله سبحانه وتعالى وضع في عنق آدم وزوجه مسئولية تحديد أي الموضعين سيكون مكان التكليف ،مسئولية وضعها الله في عنق الزوجين نحو نفسيهما وذريتهما من بعدهما ،وإذا كانت المعاصي هي شأن من يرتكبها حصريا فإن المسئوليات يتحملها الناس عن انفسهم وغيرهم وكلما كان وضع الإنسان أعلى بالنسبة لغيره كلما علت مسئوليته عن هؤلاء الغير ،ربان السفينة مسئول عن نفسه وعن كل الركاب اي قرار سيتخذه وهو يقود سفينته سينعكس على الجميع ،وكذلك قائد الطائرة ،رئيس الدولة ،رب المنزل ،ومن أكثر وضعا وبالتالي مسئولية من ابو البشر جميعا وأمهم ،وعلى ذلك وضع في اعناقهم المسئولية في تحديد هذا الأمر البالغ الأهمية
لكي يبقى آدم وذريته من بعده في الجنة بعيدا عن الشقاء كان عليهم ألا يستجيبوا لإغواء الشيطان حتى قضاء أعمارهم ولو ارتكبوا المعصية بعيدا عن الشيطان لاحتفظوا بالجنة ،حتى أن الله عندما تحدث عن الإخراج لم يذكر شيئا عن الأكل من الشجرة ، بمعنى أنه لو استجاب آدم للشيطان فأغواه بارتكاب أي معصية لخرج من الجنة ،ولو أكل من الشجرة بعيدا عن الشيطان ما اخرج من الجنة ،الذي ربط الشجرة والأكل منها بالإخراج أنها كانت التكليف الوحيد الذي كلف به آدم وزوجه وهو أسهل الطرق التي يمكن للشيطان أن يسلكها لإغواء آدم وإلا ليس أمامه إلا أن يغويه عن طريق شيء يتعلق بالعقيدة مثلا وهو ما لا يمكن لآدم الذي خلقه الله بيديه وسواه ونفخ فيه من روحه أن يقع فيه
إذا الإخراج هو عدم جدارة آدم عليه السلام بالبقاء في الجنة نتيجة لاستجابته لإغواء الشيطان ،الهبوط ،هو مغادرة آدم للجنة بأمر الله تعالى مترتبا على هذا الإخراج ،إذا الإغواء يؤدي إلى الإخراج من الجنة والإخراج يترتب عليه الإهباط من الجنة والإهباط يعني الشقاء خارج الجنة
تماما مثلما نقول لإنسان يحتل مرتبة ما في عمل مثلا لكي تظل محتفظا بهذه المرتبه فعليك أداء هذا الامتحان بنجاح وإلا هبطت إلى مرتبة أدنى الإخراج هنا هو عدم جدارة هذا الشخص بالبقاء في هذه المرتبه لفشله في النجاح في الامتحان ،مغادرته هذه المرتبة إلى المرتبة الأدنى هو الهبوط
أي هذين الفعلين الواقعين على آدم وزوجه يخص آدم كإنسان يمثل الجنس البشري ،وأيهما يخصه كآدم حصريا وما ينطبق على آدم ينطبق أيضا على زوجه ولكن للتيسير سأستخدم كلمة آدم
الإخراج هو نتيجة المواجهة بين آدم وإبليس والذي نجح فيها الشيطان في إغواء آدم ،هذه المواجهة هي المسئولية التي وضعها الله في عنق آدم وحده التي تحدد المكان الذي سيجري عليه تكليف البشر وخلافتهم على الأرض إما الجنة التي لا جوع فيها ولا عري ولا ظمأ ولا ضحو أو خارجها إلى الأرض التي فيها المعاناة من نقص الأسباب التي تمد الإنسان بحاجاته الضرورية من مأكل وملبس ومشرب وحماية من وهج الشمس
لو تأملنا في الآيات التي تتحدث عن الإخراج ءنجد بالإضافة إلى أنها فعل الشيطان فهي تقع حصريا على آدم وزوجه
(فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِیهِۖ ......ࣲ)
[سورة البقرة 36]
(فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ)
[سورة طه 117]
أما الآية الأكثر وضوحا في هذا الصدد فهي
(یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ لَا یَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ كَمَاۤ أَخۡرَجَ أَبَوَیۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ ...............
[سورة الأعراف 27]
مع أن الحديث في بدايته كان موجها إلى بني آدم أي ذريته إلا أن الإخراج من الجنة قد حصر على أبويكم ،آدم وزوجه ،لا يوجد آية في القرآن تذكر أن الشيطان قد أخرجنا أو أخرج الإنسان من الجنة ،هذا بالإضافة إلى أن جميع الأفعال التي أدت إلى الإخراج قد وقعت من الشيطان على آدم وزوجه تحديدا
(فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِیهِۖ ......ࣲ)
[سورة البقرة 36]
(فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِیُبۡدِیَ لَهُمَا مَا وُۥرِیَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَ ٰ تِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَا مَلَكَیۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَـٰلِدِینَ وَقَاسَمَهُمَاۤ إِنِّی لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِینَ فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورࣲۚ ..............ࣱ)
[سورة الأعراف 20 - 22]
أما تبعات هذا الإخراج وهي الهبوط من الجنة الأرضية إلى أرض الشقاء فتقع على الأبوين وذريتهما جميعا لأن آدم وزوجه يحملان مسئولية تحديد مكان التكليف على الأرض عن نفسهما وذريتهما ولو تأملنا الآيات التي تتحدث عن الهبوط
(.............. وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُوا۟ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ)
[سورة البقرة 36]
(قُلۡنَا ٱهۡبِطُوا۟ مِنۡهَا جَمِیعࣰاۖ ......َ)
[سورة البقرة 38]
(قَالَ ٱهۡبِطُوا۟ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ)
[سورة الأعراف 24]
(قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِیعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ .....)
[سورة طه 123]
لم يكن هناك سوى آدم وزوجه فلماذا يستخدم ضمير الجمع في قوله تعالى اهبطوا ،وحتى عندما استخدم ضمير المثنى في قوله تعالى اهبطا تبعها بكلمة جميعا لأن هبوط آدم وزوجه ليس قاصرا عليهما ولكن يشمل ذريتهما كلها
إذا بينما الإخراج يقع على آدم وزوجه فإن الهبوط وبالتالي الشقاء المترتب عليه سيقع على الجنس البشري كله وعلى ذلك يكون تفسير الآية فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى أي لا تدع الشيطان ينجح في إغوائكما فيتسبب في إخراجكما من الجنة وتكون النتيجة هبوط الجنس البشري كله من الجنة ومعاناته للشقاء
أي أن كنه المخاطب قد تغير عند كلمة فتشقى ،فالمخاطب كان آدم بصفته آدم تحديدا في قوله فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة ،ولكن المخاطب في قول الله تعالى فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى كان آدم الإنسان ممثل الجنس البشري كله وهكذا فبينما الإخراج واقع على آدم وزوجه حصريا فإن الشقاء المترتب على الهبوط بسبب الإخراج والمتمثل في التعرض للجوع والعري والظمأ والضحو واقع على آدم وذريته جميعا وهذا التفسير يحقق شرط ان ما يسري على كون الضمير مفردا مذكرا في كلمة فتشقى يسري ايضا على كونه كذلك في عبارة إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى
،أي معنى الآية
فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ)
[سورة طه 117]
لا تمكن الشيطان يا آدم انت وزوجك من إغوائكما بارتكاب أي معصية فيخرجنكما من الجنة مما يترتب عليه هبوطك انت وذريتك من بعدك من هذه الجنة الأرضية إلى الأرض خارجها حيث الشقاء لك ولنسلك
ولكن إن استطعت ألا تستجيب للشيطان فستحتفظ انت وذريتك ببقائكم في هذه الجنة حيث تتوفر اسباب ضروريات الحياة لك لنسلك
ولزيادة البيان أريد أن أعقد مقارنة قصيرة بين طرد ابليس من المكان الذي عصى فيه أمر الله بالسجود لآدم عليه السلام وهو السماء كما أوضحت وبين اهباط آدم وزوجه من الجنة التي اسكنهما الله اياها
طرد الله ابليس ملعونا مدحورا إلى يوم الدين بسبب معصيته لأمر إلهي غير قابل أن يعصى ولا يجوز فيه إلا الطاعة والمثول للأمر كما فعلت الملائكة وطرد من المكان لأنه مكان لا يسمح فيه بالتكبر والمعصية إطلاقا ولكنه مكان تعظيم وتسبيح وإجلال لله سبحانه وتعالى ففي هذا المكان كان الأمر الإلهي غير قابل للمعصية في مكان لا يعصى الله فيه أبدا موجه إلى مخلوقات لا تعصي الله ما أمرها وتفعل ما تؤمر وعلى ذلك طرد ابليس على هذه الصورة عندما عصى
بالنسبة لآدم وزوجه كان النهي الموجه لهما بعدم الاقتراب من الشجرة المحرمة فضلا عن الأكل منها أمرا تكليفيا قابل أن يطاع ويعصى إلى مخلوق يطيع ويعصي ولذلك حذره الله من عاقبة المعصية التي لم تكن أبدا الإخراج من الجنة ولكن ظلم للنفس يقع فقط على مرتكب المعصية بما يدل على أنه مكان المعصية واردة الحدوث فيه فلا يمكن أن تكون جنة الخلد والهبوط كان بسبب فشل الزوجين في تحمل المسئولية نحو نفسيهما وذريتهما بالاحتفاظ بالمكان الذي يختلف عن خارجه فقط في توفير أسباب الاحتياجات الضرورية الدنيوية المكانان تابعان للأرض التي ذكر الله لملائكته أن خلافة الإنسان ستكون فيها
ذكرت أن هناك مخالفتان نهى الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام من ارتكاب ايامنهما الاولى المعصية المتمثلة في الأكل من الشجرة المحرمة والتي يترتب عليها ظلم الزوجين لنفسيهما واستحقاقهما هما الإثنين فقط تحديدا للعقوبة كأي معصية ترتكب وقابلية هذه المعصية للعفو الإلهي والمغفرة ،أما المخالفة الثانية المنهي عنها فهي تمكين الشيطان من إخراجهما من الجنة وقلت ان هذه مسئولية يحملها الزوجين عن نفسيهما وعن ذريتهما وتتعلق بالاستجابة لإغواء الشيطان وما يترتب عليه من هبوط من الجنة وشقاء
ومما يدل على أنه كان هناك نهيان لآدم وأن آدم قد ارتكب مخالفتين لهذين النهيين هو هذه الآية القرآنية الكريمة ،
...... وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَاۤ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاۤ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ)
[سورة الأعراف 11 - 22الله يقول هنا ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ،هذه هي المخالفة الأولى التي ارتكباها فقد أكلا من الشجرة المنهي عن الأكل منها ،المخالفة الثانية متعلقة بعداوة الشيطان المبينة للزوجين التي حذر الله منها ومن تبعاتها فماذا كانت العاقبة التي حذر الله منها في كل حالة
بالنسبة للأكل من الشجرة هي معصية عبارة عن ظلم آدم وزوجه لنفسيهما
(وَیَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
[سورة الأعراف 19]
وعلى ذلك كان ردهما على هذه الجزئية
](قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَاۤ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَـٰسِرِینَ)
[سورة الأعراف 23]
ومن المعروف أن الله علم آدم كيف يتوب وتاب عليه وهداه
واجتباه
أما قوله تعالى وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين فهو المتعلق بالتحذير الآخر الذي وجهه الله للزوجين
(فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ)
[سورة طه
هذه المسئولية التي وضعها الله في عنق الزوجين ليست ذنبا قابلا للمغفرة ولكنه قرار لا رجعة فيه ،انت يا آدم لو استطعت ألا تجعل الشيطان يغويك فستبقى انت وذريتك كلها في الجنة يتعهد الله لك فيها بتوفير كل اسباب الحصول على احتياجاتكم الضرورية ،أما إذا استطاع الشيطان أن يغويك بارتكاب معصية فسيؤدي هذا إلى إخراجكما من الجنة مما يترتب عليه هبوطكما وذريتكما من الجنة الأرضية إلى الأرض خارجها حيث الشقاء وعلى ذلك فآية
(قَالَ ٱهۡبِطُوا۟ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ)
[سورة الأعراف 24]متعلقة ب وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين هنا لا استغفار ولا توبة ولا رجوع
الدليل الثالث
مسئولية آدم عليه السلام عن الهبوط من الجنة
من المعروف أن الله سبحانه وتعالى قبل خلق آدم عليه السلام أخبر ملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة
(وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ قَالُوۤا۟ أَتَجۡعَلُ فِیهَا مَن یُفۡسِدُ فِیهَا وَیَسۡفِكُ ٱلدِّمَاۤءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّیۤ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ)
[سورة البقرة 30]
الخلافة مقدر لها قبل خلق آدم أن تكون على الأرض ومعنى الأرض هو كوكب الأرض الذي نعيش عليه هذا واضح
ومعنى ذلك أن أي تفسير لآية قرآنية أو أي عمل يقوم به آدم عليه السلام يعني أنه قد يسبب في وجوده في مكان آخر غير الأرض يكون غير مقبول
ومن المعروف أن استجابة آدم لإغواء الشيطان قد أدت إلى خروجه من هذا المكان الذي أسكنه الله فيه والذي وصف بأنه جنة ،فإذا كانت هذه الجنة جنة الخلد أي مكان لايمكن أن تكون خلافة الإنسان عليه فمعنى هذا أنه لابد أن يخرج منها إلى الأرض حيث الخلافة والتكليف له ولذريته من بعده سواء استمع لإغواء الشيطان أو لم يستمع
فإذا كان الشقاء مرتبط بإخراجه من الجنة كما تقول الآية وإذا لم تكن هذه الجنة هي مكان الخلافة فلابد أن يتم الإخراج منها وبالتالي حدوث الشقاء سواء استمع آدم لإغواء الشيطان أو لم يستمع فكيف يحذره الله من شقاء هو مقدم عليه على اية حال وكيف يكون مسئولا عن إخراجه وهبوطه وزوجه وذريته جميعا من الجنة
لايمكن أن نفهم من هذه الآية إلا أنه كان بمقدور آدم أن يبقى في الجنة لو لم يمكن الشيطان من إخراجه وأن الطريق الوحيد لمغادرته هذه الجنة حيث الشقاء هو الشيطان وهذا يعني ان هذه الجنة هي جنة أرضية يمكن ان تكون حياة الإنسان وتكليفه فيها وليست جنة مؤقته دخلها آدم على سبيل تجربة الاحتكاك بالشيطان سواء أكانت جنة الخلد أو أي جنة أخرى
،بالإضافة إلى آيات القرآن الكريم هناك حديثان يوضحان مسئولية آدم عن هبوطه وذريته من الجنة واعترافه بذلك ولا يكون هذا صحيحا إلا إذا كان بإمكانه الاحتفاظ بالبقاء في الجنة عندما يكون السبيل الوحيد إلى الإخراج منها هو الشيطان لنتفكر في هذا الحديث
يا آدَمُ، أنت أَبونا، خَيَّبْتَنا احتَجَّ آدَمُ ومُوسى عليهما السلامُ، فقال موسى وأخرَجْتَنا مِنَ الجنةِ، فقال له آدَمُ: يا موسى، أنت اصْطَفاكَ اللهُ بِكَلامِه وقال مَرَّةً: بِرِسالَتِه، وخَطَّ لك بِيَدِ، أَتَلومُني على أَمْرٍ قَدَّرَه اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يخلقني بأَرْبَعين سنةً؟ قال: حَجَّ آدَمُ موسى، حَجَّ آدَمُ موسى، حَجَّ آدَمُ موسى.
الراوي : أبو هريرة | المحدث : شعيب الأرناؤوط | المصدر : تخريج المسند
الصفحة أو الرقم 7387 | خلاصة حكم المحدث إسناده صحيح على شرط الشيخين
التخريج : أخرجه البخاري (4736 )، ومسلم (2652)، وأبو داود (4701) والترمذي (2134)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10985)، وابن ماجه (80)، وأحمد (7387) واللفظ له
عندما يقول موسى عليه السلام لآدم وأخرجتنا من الجنة فلابد أنه كنبي يفهم أنه لو لم يتسبب آدم في إخراج البشر من الجنة ما خرجوا ،لا يمكن ان يكون موسى قد رأى كما يظن بعض العامة أنه لو لم يخطئ آدم ويعصي الله لكنا الآن في جنة الخلد نتمتع بنعيمها ،وقد أقر آدم بمسئوليته عن الإخراج من الجنة ولكنه برر ذلك بانه أمر كتب عليه قبل خلقه وعلى ذلك فقد حاج موسى كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام وإلا لكان رده على نبي الله موس ما معناه لو كانت الجنة التي اهبط منها هي جنة الخلد الا تعلم اننا كنا خارجين منها سواء عصيت أم لم اعص وما كان موسى عليه السلام ان يجهل ذلك
الحديث الثاني
يجمعُ اللهُ الناسَ يومَ القيامَةِ ، فيقومُ المؤمنونَ حينَ تُزْلَفُ لهم الجنةُ ، فيأتونَ آدمَ ، فيقولونَ : يا أبانا ! استفتِحْ لنا الجنةَ ، فيقولُ وهلْ أخرجَكُمْ مِنَ الجنةِ إلَّا خطيئةُ أبيكم آدمَ ، لستُ بصاحبِ ذلِكَ ، اذهبوا إلى ابني إبراهيمَ خليلِ اللهِ ، فيقولُ إبراهيمُ : لستُ بصاحِبِ ذلِكَ ؛ إِنَّما كنتُ خليلًا مِنْ وراءِ وراءِ ، اعمَدوا إلى موسى الذي كَلَّمَهُ اللهُ تكليمًا ، فيأتونَ موسى ، فيقولُ لستُ بصاحِبِ ذلِكَ ، اذهبوا إلى عيسى كلمَةِ اللهِ وروحِهِ ، فيقولُ عيسى لستُ بصاحِبِ ذلَكِ ، اذهبوا إلى محمدٍ ، فيأتونَ محمدًا ، فيقومُ فيؤذَنُ له ، وتُرْسَلُ الأمانَةُ والرحِمُ ، فتقومانِ جنْبَتَيِ الصراطِ يمينًا وشمالًا ، تجرِي بهم أعمالُهم ، ونبيُّكم قائِمٌ على الصراطِ يقولُ : يا ربِّ سلِّمْ سلِّمْ ، حتى تعجِزَ أعمالُ العبادِ ، وحتَّى يجيءَ الرجلُ فلا يستطيعُ السيرَ إلَّا زحفًا ، وفي حافَّتَيِ الصراطِ كلاليبُ مُعَلَّقَةٌ ، مأمورةٌ ، تَأْخُذُ مَنْ أُمِرَتْ بأخذِهِ فمخدوشٌ ناجٍ ، ومكدوسٌ في النارِ
المزيد..
الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم : 8027 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | التخريج :أخرجه مسلم (195) | انظر شرح الحديث رقم 9775
هذا الحديث مثل الحديث السابق يستدل به بعض المفسرين على أن الجنة التي اهبط منها آدم عليه السلام كانت جنة الخلد ،فهل لابد أن نفهم من قول آدم وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم أن الجنة التي يريد المؤمنون أن يستفتحها لهم آدم عليه السلام وهي بالقطع جنة الخلد هي نفس الجنة التي يعتذر آدم عن الاستفتاح بأنه هو الذي أخرجهم منها بخطيئته لماذا ؟آدم لم يقل وهل اخرجكم من هذه الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لنفهم أنها نفس الجنة ،ثانيا أسلوب القصر هنا يعني
انه لو لم يخطئ آدم ما خرجوا منها ولبقوا فيها ولا يمكن أن ينطبق هذا على جنة الخلد التي هي ليست مكان الخلافة والتكليف ولكنها مكافأة للمؤمنين الطائعين الأتقياء بعد موتهم وبعثهم وحسابهم
،هنا آدم فقط يعتذر بأنه ليس أهلا لاستفتاح الجنة لأنه ارتكب خطيئه ومثله في هذا مثل باقي الانبياء الذين وجدوا انفسهم حسب الحديث ليسوا اهلا لاستفتاح الجنة
الذين يتخذون من كلمة اهبط الدليل على ان الهبوط لابد أن يكون من مكان مرتفع وهو ما ينطبق على جنة الخلد ، إلى مكان منخفض وهو الأرض هل هذا ضروري ؟ القرآن أيضا ،قال اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ،كما انه ليس من الضروري أن يكون الارتفاع والانخفاض ماديا بالقطع الجنة ولو كانت ارضية وفيها يتنعم الإنسان بقضاء حاجته الضرورية هي أعلى وأرفع مكانة من الأرض التي سيعاني فيها الشقاء ،
ما أفهمه من آيات القرآن أن كلمة الارض وهي مكان التكليف والخلافة لها مفهومان ،الأرض التي تقابل السماء وهي كوكب الارض حيث يشمل الجنة الأرضية والأرض خارج الجنة الأرضية ،عندما يقول الله تعالى
(قَالَ ٱهۡبِطُوا۟ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ قَالَ فِیهَا تَحۡیَوۡنَ وَفِیهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ)
[سورة الأعراف 24 - 25]
ما أفهمه هنا ان المقصود بالأرض هو الأرض خارج الجنة الأرضية حيث استقر الأمر أن الخلافة والتكليف سيكون عليها بسبب نجاح الشيطان في إخراج آدم وزوجه من الجنة الأرضية ولا يلزم ان يكون المفهوم هو الأرض المقابلة للسماء فقد استخدم لفظ الأرض في القرآن للدلالة على اماكن من الأرض وليس بمعنى الأرض المقابل للسماء
(فَأَرَادَ أَن یَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِیعࣰا وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ ٱسۡكُنُوا۟ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَاۤءَ وَعۡدُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِیفࣰا)
[سورة الإسراء 103 - 104]
فهل اراد فرعون أن يستفز بني اسرائيل من الأرض إلى خارج الكوكب وهل معنى قول الله لبني اسرائيل اسكنوا الأرض أنهم كانوا قبل ذلك في السماء ؟
البعض أيضا يحتج بأن استخدام ال التعريف مقترنا بكلمة جنة يعني بالقطع أنها الجنة المتعارف عليها جنة الخلد وعلى هذا الاحتجاج رد بعض المفسرين بأن كلمة الجنة قد جاءت أيضا معرفة في سورة القلم وهي تتحدث عن جنة أرضية
(إِنَّا بَلَوۡنَـٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَاۤ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُوا۟ لَیَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِینَ)
[سورة القلم 17]
وفي الحقيقة لابد أن تأتي كلمة جنة معرفة هنا ،فالله يقول وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ،فالجنة هنا مكان محدد معرف يضمن الله فيه لعباده ألا يجوعوا ولا يعروا ولا يظمئوا ولا يضحوا وليست أي جنة أخرى موجودة على الأرض مثل جنة سورة القلم التي أصبحت كالصريم ولا جنة سورة الكهف التي احيط بثمرها ،جنة الخلد ليست موضوعنا هنا فلا يمكن ان يقال اسكنوا جنة فهذا يعني ان يسكنوا اي جنة من جنان الأرض التي نعيش عليها الآن ولم يكن هذا هو المقصود
الدليل الرابع
هل تعبير لا تجوع فيها ولا تعرى ولا تظمأ ولا تضحى يناسب جنة الخلد ام جنة أرضية
عندما يتحدث الله سبحانه وتعالى عن النعيم في جنة الخلد يكون الحديث عن الطعام والشراب والملبس والظل بمقاييس مختلفة تماما عن مجرد دفع الجوع والظمأ أو الستر والوقاية من حر الشمس
أولا مالمقصود بقوله تعالى ألا تجوع فيها ولا تعرى ولا تظمأ ولا تضحى ،هل معناها أنه لن يجري عليه مطلقا الشعور بالجوع أو الظمأ مثلا ،لن يمارس هذه المشاعر ابدا ،آدم وزوجه كانا يعيشان حياة دنيوية تقوم على توفير أسباب لها ،الإنسان لابد أن تتوفر له الطاقة لكي يعيش والطاقة تأتي من الغذاء والماء ضرورة للتمثيل الغذائي والحصول على الطاقة من الغذاء ،الإنسان يحتاج أيضا إلى الهواء او الاكسجين للتعامل مع الطعام لاستخراج الطاقة منه ولكن لا مشكلة في الهواء ،يملأ الدنيا ويدخل ويخرج بدون إرادة منا ولا يوجد معاناه من نقصه إلا في ظروف معينة ولا يخزن في الجسم بعكس الأكل والشرب ،نحن نتناولهما بإرادتنا ،الجوع في بدايته تنبيه للجسم لحاجته إلى الطعام وكذلك الظمأ تنبيه للحاجة إلى الماء ، وعلى ذلك فالشعور بالجوع والظمأ ضروري وله حكمة ،ولكن إذا استمر الشعور بالجوع بسبب نقص الغذاء أو استمر الشعور بالظمأ بسبب نقص الشراب فهذا يعني نقص الطاقة الضرورية لحياة الإنسان واستمرار الحال على هذا يؤدي إلى المعاناة من ألم الجوع والظمأ وفي النهاية يؤدي إلى الوفاة ،وعلى ذلك نفهم التعبير القرآني لا تجوع ولا تظمأ على انه عندما يعلنك جسمك بحاجته إلى الطعام أو الشراب ستجد حاجتك منهما ولن يستمر معك هذا الشعور المؤلم الذي يؤدي إلى الهبوط وتدهور الوظائف الفسيولوجية في الجسم والتي تعتمد جميعها على الطاقة ثم الوفاة ،الأصل لصحتنا اننا لا نتناول الطعام إلا عندما نجوع ،وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل في تناول الطعام من هذه المائدة الربانية العظيمة المختلفة الاشكال والألوان والروائح والمذاق التي تثير الشهية متعة ولذة فهذا من فرط رحمته بنا وكرمه البالغ لأنه حتى لو كان تناول الطعام عكس ذلك معاناة وألم ما امتنعنا عن تناوله حرصا على حياتنا
من يسرف في تناول انواع الطعام والشراب فقط استمتاعا وتلذذا يتعرض لمجموعة من الامراض المهلكة وينظر عليه على انه أكول ونهم وغالبا ما يكون هذا الإسراف المادي على حساب الروحانيات والعبادة ،هذا هو شأن حياتنا الدنيوية ومثل هذا نقوله في الملبس عندما يوصف شخص أو مجموعة من الفقراء بانهم عراة فهذا يعني غالبا انهم فقراء لا يجدون الملبس الذي يسترون به انفسهم ويقيهم شر البرد والحر ولكن هناك مواضع ضرورية في الحياة يتعرى فيها الإنسان الذي يولد اصلا عاريا فالمقصود بالعري هنا ليس مطلق العري ولكن العري الناجم عن نقص الملبس وكذلك المعاناه من الحر بسبب غياب ما يستظل به الإنسان
ما اريد التاكيد عليه هنا هو أن آدم عليه السلام وزوجه كانا يعيشان حياة دنيوية لها قوانينها وظروفها واحتياجاتها ،المأكل والمشرب والملبس والماوى هم في الأصل ضرورة حياة وليس مجرد متعة ،ولكن لو نظرنا إلى كلمات القرآن أو التعبيرات القرآنية التي تصف الطعام او الشراب أو الملبس او المأوى في جنة الخلد لوجدناها لا تتحدث أبدا بمقياس الضرورة التي يتعهد الله بتوفير اسبابها ،ولكن متعة خالصة هذا نماذج لكل نوع من هذه المتع
(وَفَـٰكِهَةࣲ مِّمَّا یَتَخَیَّرُونَ وَلَحۡمِ طَیۡرࣲ مِّمَّا یَشۡتَهُونَ)
[سورة الواقعة 20 - 21]
(عَـٰلِیَهُمۡ ثِیَابُ سُندُسٍ خُضۡرࣱ وَإِسۡتَبۡرَقࣱۖ وَحُلُّوۤا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةࣲ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابࣰا طَهُورًا)
[سورة الإنسان 21]
(مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِی وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِیهَاۤ أَنۡهَـٰرࣱ مِّن مَّاۤءٍ غَیۡرِ ءَاسِنࣲ وَأَنۡهَـٰرࣱ مِّن لَّبَنࣲ لَّمۡ یَتَغَیَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَـٰرࣱ مِّنۡ خَمۡرࣲ لَّذَّةࣲ لِّلشَّـٰرِبِینَ وَأَنۡهَـٰرࣱ مِّنۡ عَسَلࣲ مُّصَفࣰّىۖ وَلَهُمۡ فِیهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَ ٰتِ وَمَغۡفِرَةࣱ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَـٰلِدࣱ فِی ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَاۤءً حَمِیمࣰا فَقَطَّعَ أَمۡعَاۤءَهُمۡ)
[سورة محمد 15]
(مُّتَّكِـِٔینَ فِیهَا عَلَى ٱلۡأَرَاۤىِٕكِۖ لَا یَرَوۡنَ فِیهَا شَمۡسࣰا وَلَا زَمۡهَرِیرࣰا وَدَانِیَةً عَلَیۡهِمۡ ظِلَـٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِیلࣰا)
[سورة الإنسان 13 - 14]
الحقيقة ان القرآن مليء بهذه الأوصاف للطعام والشراب والملبس والظلال التي تصور المتعة العظيمة التي ينالها المؤمن في الجنة،
الحياة في الجنة لا تخضع لأسباب ومسببات ولكنها تجري بإرادة الله المباشرة وعلى ذلك فلا حرج إذا استمر المؤمن في الاستمتاع بكل هذا ولا خوف من ضرر يصيبه لأن المتعة هي الهدف
فهل يعقل بعد هذا ان الله يصف الجنة التي أسكنها آدم لو كانت جنة الخلد كما يعتقد البعض بقوله لا تعرى ،هذا وصف ضعيف جدا لا يتناسب مع جنة الخلد ولكن هذه الأوصاف بالنسبة لجنة أرضية هي غاية في النعيم ،الإنسان دائم الخوف من الفقر الذي يحرمه من أسباب قضاء هذه الضروريات حتى أن القرآن يسجل قتل بعض الناس لاولادهم بسبب او خشية الإملاق ،المجاعات التي يموت فيها الآلاف ،الدول البالغة الفقر التي لا يجد اهلها ما يسترهم فيها او يقيهم حر الشمس فضلا عن الطعام والشراب ،هذا هو طبيعة الشقاء الموجود على الارض والذي لم يكن ليحدث لو استطاع آدم عليه السلام أن يحتفظ بالجنة التي أسكنه الله فيها في البداية بعدم استجابته لإغواء الشيطان ،ولو تأملنا كلمة تعرى بالذات لوجدنا ان هناك مستوين من الملبس ذكرا في القرآن
(یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكُمۡ لِبَاسࣰا یُوَ ٰرِی سَوۡءَ ٰ تِكُمۡ وَرِیشࣰاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَ ٰلِكَ خَیۡرࣱۚ ذَ ٰلِكَ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ یَذَّكَّرُونَ)
[سورة الأعراف 26]
يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوآت، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهراً، فالأول من الضروريات، والريش من التكملات( ابن كثير )
هنا يتحدث الله عن الملبس في الأرض التي نعيش عليها فالناس هنا يلبسون الملبس لستر العورات ثم بعد ذلك للتجمل لمن يملك ولكن حتى ما تعهد الله لآدم ان يوفره له في الجنة التي أسكنه إياها قد وقف على ستر العورة أو مجرد قضاء الضرورة وليس معنى ذلك بالطبع أنه لن يكون هناك أشخاص يتمتعون بأكثر من ذلك الثياب من أجل التجمل ولكن الله لم يتعهد بهذا للجميع في في هذه الجنة ،بما يعني أنه سيكون على الأرض التي استقرت الخلافة عليها بما فيها من شقاء بعض الناس يتمتعون بشيء من الرفاهية في الملبس لا يتمتع به البعض في الجنة التي أسكنها الله آدم وزوجه فهل يعقل ان يتناسب هذا مع جنة الخلد
الدليل الخامس
كيف عرف إبليس بنهي الله آدم عن الاقتراب من الشجرة المحرمة بعد طرده وكيف استطاع تحديدها وكيف استطاع ان يغوي آدم وزوجه بالأكل منها
السؤال يمثل مشكلة حاول البعض حلها من خلال بعض الافتراضات التي لا أرى دليلا عليها
أما المشكلة فهي ناجمة عن تسلسل الأحداث وفق آيات القرآن
بعدخلق آدم وتصويره ونفخ الروح فيه أمر الله الملائكة وفيهم إبليس بالسجود لآدم ،بعد امتناع إبليس عن السجود لآدم وطرده ملعونا مذءورا مدحورا إلى يوم الدين بعد أن توعد آدم وذريته بالإغواء أسكن الله آدم وزوجه الجنة وكلفه فيها ونهاه عن الاكل من شجرة واحدة في الجنة بعينها
(قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا یَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِیهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِینَ قَالَ أَنظِرۡنِیۤ إِلَىٰ یَوۡمِ یُبۡعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِینَ قَالَ فَبِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَ ٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ ثُمَّ لَـَٔاتِیَنَّهُم مِّنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَیۡمَـٰنِهِمۡ وَعَن شَمَاۤىِٕلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَـٰكِرِینَ قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومࣰا مَّدۡحُورࣰاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِینَ وَیَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
خ[سورة الأعراف 13 - 19]
هنا نفهم ان الطرد قد حدث قبل إسكان آدم وزوجه الجنة وقبل تكليفهما فكيف علم الشيطان بهذا التكليف وكيف له ان يميز الشجرة المنهي عن الأكل منها بين الشجر الكثير في الجنة وكيف له أن يوسوس إلى آدم وزوجه ،حتى لو افترضنا أنها كانت جنة الخلد التي لا يوجد دليل كما اوضحت ان إبليس كان فيها او طرد منها فوجود إبليس خارج الجنة لا يتيح له فعل كل هذا ،إبليس لا يعلم الغيب وهذا غيب عنه ،إبليس كان من الجن كل ما يتميز به هو سرعة الحركة وأنه يرى آدم وبنيه من حيث لا يرونه ومن القرآن نفهم أن إبليس كان موجودا في الجنة التي أسكن الله آدم فيها بعد طرده ملعونا
(فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ)
[سورة طه 117]
استخدم القرآن أداة الإشارة هذا التي تعني الإشارة للقريب ،ليكون تحديد العدو لآدم في منتهى الدقة حتى لا يلتبس الأمر عليه فلم يقل مثلا إن إبليس أو الشيطان عدو لك ولزوجك حتى لا يزعم الشيطان انه ليس المقصود بالتحذير
وعلى ذلك فهناك مشكلة
كيف يسمح لإبليس بالتواجد في الجنة بعد طرده سواء منها أو من السماوات كلها إذا كانت هذه الجنة في السماء ،
اقترح المفسرون بعض التفسيرات لحل هذه المعضلة
التفسير الأول
أن إخراج إبليس من الجنة لا يعني امتناع دخوله فيها ولكن يعني انه لا يبقى فيها مكرما ولكن ذليلا حقيرا ،ملعونا
التفسير الثاني
أن إبليس وقف عند باب الجنة وانتظر اقتراب آدم منه فوسوس له
التفسير الثالث
أن إبليس دخل في فم أو خيشوم الحية وهي وحدها التي سمحت له بالدخول من بين الحيوانات الاخرى وأنه كانت لها اربع قوائم وعاقبها الله بالزحف على بطنها وأنها أغوت حواء اولا فأكلت من الشجرة ثم حثت حواء آدم عليه السلام على الأكل من هذه الشجرة وواضح أن الكلام كله مأخوذ من اهل الكتاب
في الحقيقة أنا غير مقتنعة بأي من هذه التفاسير أو أي تفسير يفترض أن الجنة التي سكنها آدم وزوجه أولا هي جنة الخلد ،بل اجد في موضوع استطاعة إبليس الوسوسة للزوجين بعد خروجه وهبوطه مذموما ملعونا مدحورا ليوم الدين الدليل القوي على ان هذه الجنة كانت جنة أرضية
فأولا موضوع التساهل الشديد في تواجد إبليس في الجنة مرة أخرى بعد هذا الطرد الشديد بحجة انه دخلها ذليلا مهانا مقهورا ، أراه غير مقبول ،كما ذكرت من قبل إبليس بمعصيته خالف قانونين من قوانين الأمر الإلهي الذي وجه إلى الملائكة ومعهم إبليس بالسجود لآدم ،القانون الأول عصيان امر إلهي غير قابل ان يعصى وكانت العقوبة هي اللعن والذم والدحر إلى يوم الدين ،والقانون الثاني هو قانون المكان الذي تمت فيه المعصية وهو السماء التي لا يوجد فيها إلا الحمد والتسبيح وكانت العقوبة هي الطرد والإخراج من هذا المكان ،فلماذا نحترم العقوبة الاولى ونتساهل جدا في العقوبة الثانية ،لو كان الله يريد ألا يطرد ابليس من الجنة ولكن يبقى فيها ذليلا مهانا كما يقول بعض الشيوخ لاقتصر الكلام على اللعن والذم والدحر لأنه بعد الطرد الشديد من هذا المكان لا يمكن لإبليس بأي طريقة أن يتواجد في هذا المكان الذي طرد منه مرة أخرى ،بل كيف عندما حذر الله آدم من الشيطان حتى لا يخرجه من الجنة استخدم الله لفظة هذا التي تعني الإشارة للقريب
(فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ)
[سورة طه 117]
كيف نتصور أن الله سبحانه وتعالي بعد طرده إبليس بكل هذه الشدة يتغاضى عن وجود إبليس في نفس المكان المطرود منه حتى يستعمل كلمة هذا وهو سبحانه وتعالى يصفه لآدم عليه السلام
فالدليل على أن إبليس كان حاضرا وموجودا ساعة نهي الله آدم من الاقتراب من الشجرة المحرمة وانه هكذا عرف النهي والشجرة المحرمة تحديدا أن الله كما استخدم اداة الإشارة للقريب هذا في الإشارة إلى الشيطان ،استخدم نفس هذه الاداة في الإشارة ألى الشجرة ،هذا ،وهذه يعني أن ،آدم عليه السلام والشجرة وإبليس كانوا جميعا في نفس المكان عند تكليف آدم بالامتناع عن الاقتراب من الشجرة المحرمة فضلا عن الأكل منها ألا يعني هذا كله ان ابليس بعد الطرد ملعونا مدحورا قد هبط ألى نفس المكان الذي تم تكليف آدم عليه السلام فيه وأن وجوده فيه كان طبيعيا ومسموح به ولا يكون هذا إلا في جنة أرضية ؟
البعض أيضا يقول إنه سمح له بالدخول ليختبر آدم ،هذا من وجهة نظري تساهل شديد غير مقبول لأنه لا يصح ابدا أن يتراجع الله عن أوامره تحت اي مبرر ، لا يليق بالله تعالى الله عن ذلك علوا كبير ا ،كل هذا نتسامح فيه من اجل الإصرار على أن الجنة كانت جنة الخلد بسبب استخدام ال التعريف في الحديث عنها وكلمة اهبطوا حيث الهبوط لابد ان يكون من مكان مرتفع .
،ثانيا القول أن إبليس وقف عند باب الجنة وانتظر اقتراب آدم منه ووسوس إليه ،هذا تفسير لا يعتمد على أي دليل إطلاقا ،هذا فضلا على ان الجنة بالطبع مكان شديد الاتساع وليس حجرة ضيقة حتى يأتي آدم إلى بابها وبعد كل هذا التحذير من الشيطان يأتي إليه هو بقدميه ،وكأنه لا عقل له ،ثم كيف استطاع إبليس هو خارج الجنة ان يحدد مكان الشجرة المحرمة بل ويصفها لآدم وسط شجر الجنة الكثيف زاعما انها شجرة الخلد ؟
نأتي الآن إلى التفسير الثالث الذي أدخل الحية في هذا الموضوع
أولا القرآن الكريم لم يشر أبدا من قريب أو بعيد إلى أي دور قامت به الحية في هذه القصة ،والذي تحدث عن دخول الشيطان إلى الجنة في فم أو خيشوم الحية قد أخذ القصة بكاملها من التوراة المحرفة والتي تلعب فيه الحية لا الشيطان الدور كله في إغواء حواء بالأكل من الشجرة والتي قامت بدورها بتشجيع آدم عليه السلام على الأكل منها ،والغريب أن أهل الكتاب أنفسهم وقد وجدوا ان موضوع الحية هذه غير مقبول أخذوا يتعللون بأن المقصود من الحية هو الشيطان على الرغم من ان التوراة المحرفة لم تشر ايضا من قريب او بعيد إلى أي دور قام به الشيطان لإغواء الزوجين بالأكل من الشجرة بل الكلام في هذه التوراة شديد الوضوح أن الحديث عن الحية الحيوان المعروف فالتوراة تبرر قدرة الحية على خداع الزوجين بانها كانت أحيل او أمكر حيوانات البرية ،وأن العقوبة قد وقعت عليها هي لا الشيطان بأن الله جعلها تزحف على بطنها وتأكل من تراب الارض كلام فضلا عن أنه لا ينطبق على الشيطان فإنه ينم ايضا عن جهل شديد بطعام الحية فكيف نأخذ تفسير القرآن العظيم من هذا الكتاب المحرف
استخدام الحية لشرح كيفية دخول الشيطان إلى الجنة لإغواء آدم هو موضوع غير مقبول عقليا إطلاقا
فأولا لماذا توجد الأفاعي والحيات في جنة الخلد ،أليس هذا عجيبا؟ المفروض أن كل ما في جنة الخلد هو ما يحقق المتعة والراحة ومن المعروف أن وجود الحية في اي مكان يحوله إلى مكان مذموم شديد السوء
ثانيا كيف للحية وغيرها من الحيوانات التي قيل أيضا في التفاسير أنها جميعا عدا الحية قد رفضت دخول الشيطان فيها ،كيف لها أن تدخل الجنة وتخرج منها هكذا بدون قيود ثم تخرج الى اين ؟
ثم ما هذه العقوبة الغريبة التي ذكرت بعض التفاسير أيضا ان الله وقعها على الحية التي توصف بأنها كانت على اربع قوائم وكانت من افضل الخلق ولكن الله جعلها تزحف على بطنها فكرة اخذت بكاملها من التوراة المحرفة ويناقضها أمور تجعلها أقرب إلى الخرافة
فالحية تنتمي الى مجموعة من الكائنات تسمى الزواحف وجميعها ليس لها ناقة ولا جمل في هذه القصة ، والحية تزحف على بطنها قبل وجود الإنسان ،والحية لا يمثل زحفها على بطنها اي عقوبة لها فهي لا تبدو ابدا كحيوان قطعت قوائمه بل لديها عضلات قوية جدا تجعلها متوافقة ومكيفة تماما مع هذا النوع من الحركة ،كما لا يبدو عليها الذل المقصود من العقوبة بل على العكس تثير الذعر في غيرها من الحيوانات عندما تستقيم بنصفها الأمامي رافعة رأسها
القرآن الكريم كتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قد أعطانا التفسير الموضوعي العلمي المنطقي لزحف الحية على بطنها
(وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَاۤبَّةࣲ مِّن مَّاۤءࣲۖ فَمِنۡهُم مَّن یَمۡشِی عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن یَمۡشِی عَلَىٰ رِجۡلَیۡنِ وَمِنۡهُم مَّن یَمۡشِی عَلَىٰۤ أَرۡبَعࣲۚ یَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ)
[سورة النور 45]
الله هنا يذكر نموذجا واحدا للقدرة العظيمة لله الذي جعلت هذا التنوع الهائل في مخلوقاته ،هو سبحانه وتعالى يتحدث هنا عن موضوع واحد طريقة الحركة التي يسرها الله للكائنات وحتى هنا لا يذكر كل طرق الحركة يتحدث فقط من بين كل انواع الحركة على الكائنات الزاحفة على بطنها والتي تمشي على رجلين والتي تمشي على أربع لأنه ليس المقصود هنا درس علمي ولكن توجيه ديني عميق يجعلنا نتدبر في قدرة الله العظيمة في كل ما تقع عليه اعيننا وحواسنا ،فلنقارن هذا بهذه الخزعبلات التي تتحدث عن حية تأكل التراب عقابا لها على إغواء إنسان ،فهل يعقل أن نأخذ من هذه الكتب المحرفة ما نفسر به قرآننا العظيم ؟
ثم إن هناك أمر لا يقل اهمية عن هذا كله ،كيف يمكن للشيطان أن يحتال على امر إلهي ،كيف يمكن ان نتصور انه بعد ان يطرد الله الشيطان من هذا المكان بكل هذه القوة والشدة،يحتال الشيطان ويمكر ويدخل المكان المطرود منه مرة أخرى على غير إرادة الله
،الله في القرآن ليس هذا الإله التوراتي الضعيف الذي يفشل أمام مكر حية أو الذي نشعر في التوراة أنه يقف على قدم المساواة مع الشيطان ،في قدراته ،فحتى عندما توعد الشيطان آدم وذريته بالإغواء كان رد الله عليه ،إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ،والقرآن يسجل أيضا كيف سيقف الشيطان خطيبا وسط هؤلاء الذين أغواهم قائلا
(وَقَالَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لَمَّا قُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِیَ عَلَیۡكُم مِّن سُلۡطَـٰنٍ إِلَّاۤ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِیۖ فَلَا تَلُومُونِی وَلُومُوۤا۟ أَنفُسَكُمۖ مَّاۤ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَاۤ أَنتُم بِمُصۡرِخِیَّ إِنِّی كَفَرۡتُ بِمَاۤ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ)
[سورة إبراهيم 22]
والله يصف كيد الشيطان بانه ضعيف في مواجهة كيد الله سبحانه وتعالى
(ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱلطَّـٰغُوتِ فَقَـٰتِلُوۤا۟ أَوۡلِیَاۤءَ ٱلشَّیۡطَـٰنِۖ إِنَّ كَیۡدَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ كَانَ ضَعِیفًا)
[سورة النساء 76]
ثم إن هذا الأمر بالإخراج والهبوط من المكان الذي عصى فيه إبليس هو امر غير قابل للاحتيال عليه فإن ما أفهمه من آيات القرآن أنه في هذه القصة يوجد ثلاثة صور من الأوامر الإلهية ،
أمر إلهي يستطيع ويمكن لمن يوجه إليه أن يطيعه أو يعصيه وكل استجابة لها تبعاتها أي انه امر يخضع لحرية الاختيار بين الطاعة والمعصية ولكل استجابة تبعاتها إما الثواب وإما العقاب وهذا يتمثل في الأمر التكليفي الموجه إلى آدم وزوجه بعدم الاقتراب من الشجرة المحرمة فضلا عن الأكل منها
الأمر الثاني هو أمر يتم تنفيذه أيضا من قبل من يوجه إليه ولكنه أمر واجب التنفيذ فقط والمعصية ليست واردة بشأنه وهذ يمثله الأمر الموجه للملائكة ومعهم إبليس بالسجود لآدم ،الأمر الثالث يمثله الأمر الموجه للزوجين بالهبوط من الجنة بعد ان اخرجهما الشيطان منها ويمثله ايضا الأمر الموجه لإبليس بعد لعنه ودحره وذمه بالهبوط من مكان المعصية ،هذا الأمر لا يتم تنفيذه من قبل من يوجه إليه ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يجريه وينفذه ،فلم تكن طاعة من آدم عليه السلام وامتثال لأمر الله أن هبط من الجنة هو وزوجه ولكن الله هو الذي نفذ هذا الأمر عليهما وكذلك الأمر الموجه لإبليس بالخروج من مكان المعصية مثله مثل جعل إبليس ملعونا مدحورا مذموما إلى يوم الدين هو أمر لا حيلة لإبليس ف الامتناع عن الالتزام به او الاحتيال عليه لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يجريه على إبليس كما اجراه على آدم عليه السلام بعدها
وعلى هذا إذا افترضنا أن الجنة التي أسكنها الله تعالى آدم وزوجه في البداية هي جنة المأوى فهناك مشكلة لا يوجد لها إجابة مقنعة تتعلق اولا
بكيف علم إبليس وهو خارج الجنة بنهي الله سبحانه وتعالى آدم وزوجه عن الاقتراب فضلا عن الاكل من شجرة محددة وحيده وسط شجر الجنة الكثيف وكيف يمكن له ان يعرف هذه الشجرة ،إبليس ليس علام غيوب إبليس كان من الجن والجن يمتازون فقط بسرعة الحركة وقدرتهم على رؤية البشر من حيث لا يرونهم ،حتى في القرآن عندما مات سليمان عليه السلام لم تعلم الجن بموته إلا بعد ان أكلت دابة الأرض منسأته
(فَلَمَّا قَضَیۡنَا عَلَیۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦۤ إِلَّا دَاۤبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَیَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ ٱلۡغَیۡبَ مَا لَبِثُوا۟ فِی ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِینِ)
[سورة سبأ 14]تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ،كان موت سليمان إذا غيبا عن الجن على الرغم من انه كان يجلس امامهم فكيف لإبليس أن يعرف النهي الموجه لآدم عليه السلام بتفاصيله وهو خارج الجنة ثم
ثانيا كيف استطاع دخول الجنة وإغواء الزوجين بعد طرده منها
.
الدليل السادس
الطريقة التي أغوى بها إبليس آدم وزوجه
عند التأمل في قصة إغواء إبليس لآدم وزوجه نجد أن القرآن يصور بكل دقة التفاصيل التي يتعامل بها الشيطان مع آدم ونسله ،لا يوجد طريقة او أسلوب يخدع به إبليس ذرية آدم ويستغل فيه نقاط الضعف عندهم إلا وهو مذكور في هذه القصة
هل أغوى إبليس آدم وهو في عجلة من أمره ،دخل الجنة متلصصا في فم الحية ،ودبر بسرعة الطريقة التي يخدع بها عدوه الذي فضله الله عليه
إغواء آدم كان يمثل لإبليس هدفا وغاية عظمى ،هدفا ليس على استعداد أن يخسره وأي غلطة بسيطة ستكلفه القضية كلها ،وعلى ذلك كان عليه ان يعمل كل مكره ودهائه لتحقيق غرضه وبتأني وتدبير ،الله سبحانه حذر آدم عليه السلام من الشيطان بطريقة غاية في الوضوح ،استعمل في تحديد هذا العدو أداة الإشارة هذا التي تعني الإشارة للقريب فلا مجال للخلط هنا ،والله بين لآدم بطريقة لا لبس فيها أن عاقبة الاستماع للشيطان أن يخرجه من الجنة فيهبط هو وذريته منها إلى حيث الشقاء ،احتمالات المجاعات والعري والظمأ والمعاناة من قيظ الشمس ولهيبها ،كما أنه حدد له الشجرة المنهي عن الاكل منها بكل وضوح مستخدما أيضا لفظ الإشارة هذه حتى لا يختلط الأمر على آدم وعلى ذلك انا لا اتفق مثلا مع الدكتور عبد الوهاب النجار الذي يقول إن بعض المفسرين يرون أن الله سبحانه وتعالى كان يعني جنس هذه الشجرة كله وظن آدم عليه السلام أن الله يعني شجرة واحدة محددة فاكل من شجرة أخرى تنتمي لهذا النوع من الشجر ، لأنه في هذه الحالة يكون آدم معذور لم يفهم الأمر الإلهي لأن الأمر نفسه قابل أن يفهم على غير المقصود منه وهذا مستحيل لأن الله عندما يرسل انبياءه إلى البشر تكون المهمة القصوى لهؤلاء الانبياء هي البلاغ المبين الذي لا يعذر أحد فيه بحجة سوء الفهم ،فما بالنا إذا كان الله نفسه هو الذي يبلغ امره إلى آدم ثم إن معصية آدم بسبب النسيان وعدم وجود العزم واضحة ف القرآن ،كل شيء إذا في غاية البيان حتى تكون مخالفة الأمر الإلهي لا وصف لها إلا انها معصية
وعلى هذا فالمهمة شاقة جدا على إبليس ،تحذير الله لآدم كفيل ان يجعله لا يلتفت ولا يستمع إلى الشيطان وعلى ذلك كان على إبليس أولا ابتداع طريقة يلفت بها انتباه آدم ويجعله ينصت إليه
الله في القرآن الكريم حذرنا من اتباع خطوات الشيطان
(یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ حَلَـٰلࣰا طَیِّبࣰا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَ ٰتِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوࣱّ مُّبِینٌ)
[سورة البقرة 168]
(یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱدۡخُلُوا۟ فِی ٱلسِّلۡمِ كَاۤفَّةࣰ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَ ٰتِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ)
[سورة البقرة 208]
(وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَـٰمِ حَمُولَةࣰ وَفَرۡشࣰاۚ كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَ ٰتِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ)
[سورة الأنعام 142]
(۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَ ٰتِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۚ وَمَن یَتَّبِعۡ خُطُوَ ٰتِ ٱلشَّیۡطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ یَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدࣰا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یُزَكِّی مَن یَشَاۤءُۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ)
[سورة النور 21]
،فالشيطان يستخدم هذه الطريقة دائما ،يخدع الإنسان واحدة واحدة بالتدريج وهذا يتطلب تدبير ووقت يبذله الشيطان لعداوته المبينة لبني البشر حتى يتمكن منه ،يزين له الشر ويضعه في صورة مغرية يضعف أمامها
هنا في هذه القصة نرى كيف اتبع الشيطان طريقة الخطوات في إغواء آدم عليه السلام ،فآدم كان إنسان متبعا لصراط الله المستقيم خلقه الله بيديه وسواه ونفخ فيه من روحه واسجد له الملائكة ،وعندما امره الله بالابتعاد عن الشجرة التزم بالأمر وابتعد ليس بجسمه فقط ولكن أخرجها من عقله ومن دائرة اهتمامه كما سأوضح ،وآدم عليه السلام يمثل النوعية من بني البشر الذين هم هدف الشيطان في المقام الأول،النوعية الملتزمة بأوامر الله واجتباب نواهيه لماذا لم يهد الله آدم ويجتبيه من البداية ،كان هناك مرحلتان في حياة آدم قبل وبعد المعصية
في هذه القصة نرى كيف تجسدت طريقة الشيطان في الإغواء المعتمدة على الخطوات والتزيين في الأرض
(قَالَ رَبِّ بِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأُزَیِّنَنَّ لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِیَنَّهُمۡ أَجۡمَعِینَ)
[سورة الحجر 39]
لنتحدث على الخطوات التي اتبعها ابليس للإيقاع بآدم عليه السلام وزوجه وكيف زين لهما المعصية
الخطوة الاولى
وهي اهم خطوة ولو فشل فيها لانتهت القضية بالنسبة للشيطان وعلى ذلك كان عليه أن يكون في منتهى الحذر ،فالله قد حذر آدم منه ووصفه بانه له ولزوجه عدو مبين وان الاستماع اليه سيخرجهما من الجنة حيث الشقاء وهنا أولا ،لا يمكن للشيطان أن ياتي لآدم وهو بكامل قوته واستعداده لابد ان يوهن هذه القوة ،وثانيا لا يمكن ان يطلب منه مخالفة امر الله ومعصيته بطريقة واضحة فآدم سيتأكد وقتها من هدف الشيطان وسينهره بشدة ويامره بالابتعاد عنه ،وثالثا لابد ان يستدرج آدم للاستماع إليه بعد تحذير الله له ،وعلى ذلك كانت الخطوة الاولى هي قول الشيطان لآدم
(فَوَسۡوَسَ إِلَیۡهِ ٱلشَّیۡطَـٰنُ قَالَ یَـٰۤـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكࣲ لَّا یَبۡلَىٰ)
[سورة طه 120]
هنا نلاحظ اول شيء أن الشيطان قد عرض على آدم عرضا غاية في الإغراء ،شجرة الخلد ،من ياكل منها يخلدإلى الابد استخدم هنا خوف الإنسان الغريزي من الموت ،ثم ملك لا يبلى ،الملك ايضا خالد فما فائدة الخلود بعيدا عن التنعم المستمر أليس هذا كل ما يتطلع إليه الإنسان في جنة الخلد بعد الموت فماذا يريد اﻹنسان بعد ذلك ؟
والشيء الثاني الذي نلاحظه هنا ان كل هذا العرض المغري لا يقترن بارتكاب معصية ،إنها شجرة في الجنة التي امر الله أن يأكل الزوجين منها رغدا ،هنا الشيطان لم يلمح لآدم أنها الشجرة المحرمة ولكنها شجرة من شجر الجنة الكثيف ،وآدم نفسه لم يخطر بباله ان يسأل إذا ماكانت هذه هي الشجرة المحرمة ،طريقة الشيطان في العرض انسته تحذير الله له من الشيطان وأيضا لان آدم قد التزم بأمر الله وابتعد عن الشجرة واخرجها من دائرة تفكيره ،ولا بد أن الكلام قد استغرق وقتا ولكنه كله يدور حول نفس الفكرة اغراء شديد بدون مقابل من معصية حتى يتأكد الشيطان من تمكن تعلق آدم بهذا الأمر قبل ان يبدأ الخطوة التالية ،هذا العرض شديد الإغراء بدون مقابل من معصية سمح آدم ان يطلق العنان لتطلعاته في الخلود والملك الذي لا يبلى بدون قيود ،هذا التعلق بهذا الأمل الكاذب وتزيين الدنيا هو طريقة الشيطان في تقويض عزيمة الإنسان على طاعة الله وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه ،لم يعد آدم هنا هو آدم الذي اسكنه الله الجنة في البداية ،أصبح إنسانا آخر متعلق بالدنيا وزخرفها ،هنا فقط هو مهيأ للخطوة التالية
(فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِیُبۡدِیَ لَهُمَا مَا وُۥرِیَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَ ٰ تِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَا مَلَكَیۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَـٰلِدِینَ)
[سورة الأعراف 20]
نلاحظ في الاآية الاولى أن الشيطان لم يستخدم أي أداة إشارة في الحديث عن الشجرة فآدم كان مبتعدا عنها كما أمره الله والشيطان يتحدث عن شجرة تبدو غير معروفة لآدم ، اما هنا في هذه الآية فإبليس استخدم أداة الإشارة هذه مما يدل على انهما قد أصبحا الآن على مقربة من الشجرة المحرمة التي يعرفها آدم جيدا ،حدثت حركة ،الشيطان قد صحب آدم إلى حيث توجد الشجرة و الآن فقط أدرك آدم ان الشجرة المقصودة هي الشجرة المحرمة ،إذا هناك معصية في الاكل منها ولكن آدم بعد تعلقه بالآمال الكاذبة لم يعد بالقوة والعزم الذي تجعله يؤوب إلى رشده ويبتعد ويزجر الشيطان ،ولكن بدا عليه التردد وربما التحسر لضياع الامل في الخلود والملك الذي لا يبلى وعلى ذلك كان على الشيطان ان يهم بالخطوة الثالثة على الفور
((وَقَاسَمَهُمَاۤ إِنِّی لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِینَ)
[سورة الأعراف 21]
الشيطان في الخطوة الثانية قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين او تكونا من الخالدين ،هنا الشيطان يريد أن يقول إن الأكل من الشجرة سيجعل الزوجين من الملائكة نتيجة جديدة للأكل من الشجرة يزعمها الشيطان ويوحي لهما أن الله لا يريد لهما أن يكونا كذلك كما لا يريد لهما الخلود ،نلاحظ هنا مرة أخرى التفكير العنصري للشيطان ،فقد رفض السجود لآدم بحجة أن آدم مخلوق من طين بينما هو مخلوق من نار ،وفي نظرة ان النار ارقى واشرف من الطين ،فماذا لو تحول الطين إلى نور ،هذه الفكرة تمثل أغراء شديدا ليس بمقاييس آدم فقط ولكن بمقاييس إبليس نفسه ،هناك فارق بين أن يخدع إنسان ما شخصا آخرا بإغوائه بشيء يعلم في حقيقته انه لا قيمة له ولكنه يصوره لمن يغويه بأنه عظيم القيمة وبين أن يغويه بشيء هو في حقيقته شديد الإغراء ،على الرغم من كذبه في الحالين هنا يبدو مظاهر الإخلاص في الإغواء وهذا كان حال الشيطان مع آدم ،هذا بالإضافة إلى فكرة الخلود ،ومن الواضح أن التردد قد بدا جليا على وجه الزوجين ،كانا في حاجة إلى دفعة أخرى سريعة ،فقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ،قسم مؤكد بإخلاصه وصدق نيته ،،والتعبير بقاسمهما يدل على المشاركة ،بما يعني انهما ربما طلبا منه أن يقسم على صدق كلامه فأقسم ،الشيطان مستعد أن يفعل اي شيء في سبيل الإيقاع بالزوجين وحثهما على ارتكاب المعصية ،وآدم بخبرته القليلة بالشيطان ومكائده وقلة عزيمته نسى تحذير الله له من إبليس فصدقه وأكل هو وزوجه من الشجرة المحرمة ،ارتكبت المعصية استجابة لإغواء الشيطان ونتيجة المعصية نفسها هو ظلم لنفسيهما ،استحقاق العقوبة ،والنتيجة لانها جاءت عن طريق الشيطان هي الإخراج من الجنة إلى حيث الشقاء على الأرض خارج الجنة ،هنا قدر أنه على هذه الارض ستكون الخلافة والتكليف والعداوة أيضا بين بني البشر هذه الارض التي منها خلق الإنسان وإليها يعود بعد موته ثم يخرجه الله منها عند البعث والنشور
أريد أن أتوقف هنا عند تبدي السواة للزوجين بعد المعصية والأكل من الشجرة لنتأمل هذه الآية القرآنية
(یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ لَا یَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ كَمَاۤ أَخۡرَجَ أَبَوَیۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ یَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِیُرِیَهُمَا سَوۡءَ ٰ تِهِمَاۤۚ إِنَّهُۥ یَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِیلُهُۥ مِنۡ حَیۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّیَـٰطِینَ أَوۡلِیَاۤءَ لِلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ)
[سورة الأعراف 27]
وهذه الآية
(فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِیُبۡدِیَ لَهُمَا مَا وُۥرِیَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَ ٰ تِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَا مَلَكَیۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَـٰلِدِینَ)
[سورة الأعراف 20]
هل نزع الشيطان عن آدم وزوجه لباسهما نزعا ماديا بمعنى أنه حقيقة قد قام بنزع لباسهما ،وهل كان الشيطان يقصد ان يريهما ما ووري عنهما من سوآتهما الجسدية
أنا لا أفهم هذا من القرآن ،ولكن ما أفهمه أنه بسبب المعصية التي ارتكباها استجابة لوسوسة الشيطان وإغوائه لهما زال ستر الله عليهما فكأن الشيطان هو الذي نزع عنهما لباسهما ،ولا اظن أن الشيطان كان يعلم مقدما ان نتيجة المعصية ستكون نزع اللباس عنهم ولكن هذا ما حدث تماما مثل ما قال الله سبحانه وتعالى عن التقاط آل فرعون لموسى في صغره
(فَٱلۡتَقَطَهُۥۤ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِیَكُونَ لَهُمۡ عَدُوࣰّا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَـٰطِـِٔینَ)
[سورة القصص 8]
هل عندما التقط أل فرعون موسى عليه السلام وهو طفل رضيع كان بغرض ان يكون لهم عدوا وحزنا ،وهل كانوا يعلمون ان هذا كان سيحدث ،قطعا لا ،ولكن هذا ما حدث فكانهم عندما التقطوا موسى عليه السلام التقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا ،وبالمثل هنا لا الشيطان كان يعرف ولم يكن يريد أن يبدي للزوجين ما ووري عنهما من سوآتهما لأن نزع اللباس وتبدي السوءة بالنسبة لتفكير ابليس ليسا بالضرورة مترتبين على ارتكاب المعصية في أول مرة ترتكب فيها معصية ،وإن كانت المعصية والبعد عن الله كثيرا ما تؤدي إلى نزع ستر الله لعباده ،ومع ذلك كان هناك سوءة أخرى غير السوءة الجسدية هي التي كان الشيطان معنيا وقاصدا ان يبديها للزوجين وكان يعلم جيدا أنها مترتبة على المعصية
هذه السوءة هي سوءة النفس البشرية والتي اشار الله إليها في هذه الآيات
(وَنَفۡسࣲ وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا)
[سورة الشمس 7 - 8]
كل من التقوى والفجور هو إلهام في النفس البشرية ،الإنسان يمكنه فعل الخير وطاعة الله ويمكنه فعل الشر ومعصية الله سبحانه وتعالى ،عندما ينهي الله عن القتل مثلا فذلك لأن مقدرة الإنسان على ارتكاب هذه الجريمة وهي شر ومعصية سابق على نهي الله له فالله ينهاه لانه يمكنه من خلال هذا الالهام بالفجور في نفسه ان يفعل ذلك ،ولا تكون معصية إذا ارتكبها الاإنسان إلا إذا صدر نهي صريح عن ارتكابها ،وكان الإنسان في حالة أهلية للتكليف ، كما يمكنه الامتناع عن فعل هذه المعصية بسبب الإلهام بالتقوى الموجود في نفسه وبهذا تختلف النفس البشرية عن الملائكة التي لا تفعل إلا ما يأمرها الله به ولذلك لا توجد آية قرآنية تتحدث عن التزام بنهي الله لها عن فعل شيء ،كل الآيات تتحدث عن اوامر لا تعصى
(یَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَیَفۡعَلُونَ مَا یُؤۡمَرُونَ ۩)
[سورة النحل 50]
(یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارࣰا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَیۡهَا مَلَـٰۤىِٕكَةٌ غِلَاظࣱ شِدَادࣱ لَّا یَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَاۤ أَمَرَهُمۡ وَیَفۡعَلُونَ مَا یُؤۡمَرُونَ)
[سورة التحريم 6]
هذه السوءة النفسية قد اشار الله إليها في سياق نفس هذه الاحداث المتعلقة بقصة آدم عليه السلام وإبليس والمعصية لنتامل هذه الآية
(یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكُمۡ لِبَاسࣰا یُوَ ٰرِی سَوۡءَ ٰ تِكُمۡ وَرِیشࣰاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَ ٰلِكَ خَیۡرࣱۚ ذَ ٰلِكَ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ یَذَّكَّرُونَ)
[سورة الأعراف 26]
الله هنا يتحدث عن اللباس المادي الذي يستر السوءة الجسدية وفي نفس السياق يتحدث عن لباس آخر اسمه لباس التقوى ،ألا يعني هذا أن هذا اللباس المسمى بالتقوى هو أيضا يستر نوعا من السوءات يعد سترها خير من ستر السوءة الجسدية ايضا
كيف يستر لباس التقوى السوءة النفسية
إذا كانت السوأة الجسدية تتبدى للإنسان عندما ينزع عنه اللباس المادي الذي يرتديه ،فإن السوأة النفسية تتبدى له عندما يقترف المعصية وعلى ذلك
فالإنسان التقي المتبع لأوامر الله ،المجتنب لنواهيه الذي لا يرتكب المعصية بسبب تقواه ،يستره لباس التقوى فلا يرى هذا الفجور الذي هو إلهام في نفسه ويجعله كإنسان قابل لعمل المعاصي ،فمثلا إنسان تقي لا يقتل او لا يرتكب الفاحشة أو لا يسرق او لا يعاقر الخمر ،هو مستور بلباس التقوى فعندما يوسوس له الشيطان بارتكاب كبيرة مثل القتل الذي كان لفرط تقواه يرى انه لا يمكن ان يرتكب مثل هذه الكبيرة ويتبع معه طريقة الخطوات أسلوبه المعروف وتزيين الشر ،كل خطوة تقود إلى التي تليها حتى يصل إلى أنه يلتقط مسدسه أو سكينا فيطعن به من أوغر الشيطان صدره عليه ،عمل لم يكن يتخيل انه يمكن ان يقدم عليه ،عندئذ ينحسر عنه لباس التقوى ويرى ما ووري عنه من سوآت نفسه أنه يمكنه القتل ويمارس نفس المشاعر التي أحس بها آدم عليه السلام عندما عصى الله واكل من الشجرة المحرمة فنزع عنه اللباس الذي يستره ،نزع عنه ستر الله ،هذا الشخص الذي ارتكب جريمة القتل وكان لا يرى في نفسه انه يمكن أبدا أن يفعلها ،قد تعرى أمام نفسه وأصبح مباشرة بعد ارتكاب الجريمة يشعر بالندم والدونية والمهانة ،وهذا ما يقصده الشيطان وما كان يقصده ويتعمده عندما وسوس لآدم ،كان آدم عليه السلام ملتزما في البداية بنهي الله له عن مجرد الاقتراب من الشجرة المحرمة ،كان مستورا ايضا بالإضافة ألى الستر باللباس المادي لسوأة الجسد بلباس التقوى وكان الشيطان يقصد بالإضافة إلى حثه على معصية الله ويظلم نفسه أن يقول له ليس لأنك اتبعت صراط الله المستقيم والتزمت بالنهي الإلهي عن الاقتراب من الشجرة المحرمة تظن نفسك ملاكا لا تعصي الله ما أمرك ،ولكنك إنسان يمكنك ارتكاب المعصية انت اقرب ما تكون إلى وليس الملائكة وهذه قمة تلبيس إبليس الأمور على آدم وبنيه ،فبنما يظهر له حرصه على أن يكون ملاكا إذا أكل من الشجرة المحرمة ،هو في حقيقة الأمر يريد أن يبين له كيف هو ابعد ما يكون عن الملائكة عن طريق حثه على معصية الله والأكل من الشجرة
عندما ينزع الشيطان لباس التقوى عن الإنسان ويريه ما ووري عنه من سوآت نفسه هناك سلوكان مختلفان ممكن ان يقوم بايهما الإنسان المغرر به ،هو نعم في البداية يصدم ويشعر بالحقارة وانه تعرى امام نفسه ويشعر بالندم ولكن الحاجز النفسى الذي كان بينه وبين ارتكاب المعصية قد زال ،لوتغلب تندمه على هذا وامتلك زمام امره مرة أخرى وتاب وأناب إلى الله واتبع هذه السيئة بحسنات فإنه يتجاوز هذا الأمر ،وهذا ما يحثه القرآن عليه حتى ان الله لفرط كرمه يعده أن يبدل سيآته حسنات
(وَٱلَّذِینَ لَا یَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا یَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا یَزۡنُونَۚ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَ ٰلِكَ یَلۡقَ أَثَامࣰا یُضَـٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ وَیَخۡلُدۡ فِیهِۦ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلࣰا صَـٰلِحࣰا فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ یُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَیِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَـٰتࣲۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَإِنَّهُۥ یَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابࣰا)
[سورة الفرقان 68 - 71]
والله أيضا يامرنا ألا نقنط من رحمته سبحانه وتعالى إذا أسرفنا على أنفسنا ونعود إليه لأنه يغفر الذنوب جميعا
(۞ قُلۡ یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ وَأَنِیبُوۤا۟ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُوا۟ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن یَأۡتِیَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ)
[سورة الزمر 53 - 54]
السلوك الثاني ،أنه وقد زال الحاجز النفسي بينه وبين ارتكاب المعصية يستمر في ارتكابها وتصبح لديه اكثر سهولة في الإقدام على ارتكابها فيقال إنه من يقتل مرة يقتل مرات ومن يرتكب الفاحشة إذا لم يمنعه ندمه يستمر في ارتكابها وكذلك السرقة والرشوة ومعاقرة الخمر وهذا ما يريده الشيطان ،اان يجعل ابن آدم ينغمس في ارتكاب الخطيئة
وعلى ذلك فأنا أرى أن آدم عليه السلام رغم استجابته لإغواء الشيطان وارتكابه المعصية فإن سلوكه بعد ارتكاب المعصية كان نموذجيا
الله يذكر في كتابه الكريم أنه علم آدم كلمات فتاب عليه ،فهل عندما علم الله آدم كيف يتوب وتاب عليه كان يعرض هذه التوبة على نفس غافلة أم نفس تتوق للعودة إلى الله ،في البداية ولان هذه أول معصية يرتكبها بشر لم يكن آدم يعرف كيف يستغفر أو يتوب وكيف يرجع إلى الله كل ما استطاع عمله هو ان يعود إلى الالتزام بنهي الله والابتعاد عن الشجرة كيف علمنا انه ابتعد ،من قول الله تعالى
(فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورࣲۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَ ٰ تُهُمَا وَطَفِقَا یَخۡصِفَانِ عَلَیۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَاۤ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاۤ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ)
[سورة الأعراف 22]
تلكما أداة إشارة للبعيد
حركة آدم اقترابا وبعدا عن الشجرة ندركها من أدوات الإشارة المستخدمة
في البداية عندما حذر الله آدم من الاقتراب من الشجرة استخدم أداة الإشارة هذه ليكون التحذير بمنتهى الوضوح
(وَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)
[سورة البقرة 35]
ثم في اول خطوة في إغواء الشيطان لآدم عندما كان ملتزما بأمر الله ومبتعدا عن الشجرة وكان الشيطان يتحدث في البداية عن شجرة في الجنة تبدو مجهولة لآدم لم يستخدم اي أدوات إشارة
(فَوَسۡوَسَ إِلَیۡهِ ٱلشَّیۡطَـٰنُ قَالَ یَـٰۤـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكࣲ لَّا یَبۡلَىٰ)
[سورة طه 120]
ثم عندما بدأت بوادر الاستجابة لإغواء الشيطان وأقبل الشيطان على اصطحابه إلى الشجرة استخدم مرة أخرى الأداة هذه
(فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِیُبۡدِیَ لَهُمَا مَا وُۥرِیَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَ ٰ تِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَا مَلَكَیۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَـٰلِدِینَ)
[سورة الأعراف 20]
وبعد ذلك عندما تم الإغواء وحاولا الرجوع إلى الله بالابتعاد عن الشجرة كانت الأداة المناسبة هي تلكما
(فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورࣲۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَ ٰ تُهُمَا وَطَفِقَا یَخۡصِفَانِ عَلَیۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَاۤ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاۤ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ)
[سورة الأعراف 22]
هنا يتبادر سؤال ،الله سبحانه وتعالى يقول
(ثُمَّ ٱجۡتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَیۡهِ وَهَدَىٰ)
[سورة طه الله سبحانه وتعالى هدى آدم عليه السلام واجتباه بعد المعصية وبعد ما علمه كيف يتوب وتاب عليه ،وهذا يعني أنه كان هناك مرحلتان في حياة آدم ،مرحلة ما قبل المعصية ومرحلة ما بعدها ،في المرحلة الأولى الشيطان استطاع إغواء آدم بالمعصية ،بما يدل على أنه لم يكن من عباد الله المخلصين الذين استثناهم الشيطان من الإغواء ،ولكنه لم يكن فاجرا ولا فاسقا ،كان إنسانا متبعا لصراط الله التزم بالنهي وابتعد عن الشجرة المحرمة وبذل الشيطان معه جهدا واستخدم اسلوب الخطوات ليتمكن من إغوائه ،وهذا يعني بأن المقصود من هداية آدم واصطفائه أنه أصبح الآن نبيا من عباد الله المخلصين الذين لا يتمكن الشيطان من إغوائهم ،فعندما يقول الله سبحانه وتعالى
(۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰۤ ءَادَمَ وَنُوحࣰا وَءَالَ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَءَالَ عِمۡرَ ٰنَ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ)
[سورة آل عمران نعلم أن هذا الاصطفاء قد حدث بعد المعصية والتوبة والهداية 33]
فإذا كانت الهداية هي من الله سبحانه وتعالى وبأمره هو وحده فلماذا لم يهد الله آدم هذه الهداية من البداية وعندها لم يكن للشيطان أن يغويه ويخرجه من الجنة ليعاني وذريته الشقاء على الأرض خارجها
القصة كلها تمثل تجربة كاملة يستعرض فيها كل طرف ما تسمح به طبيعته من تصرفات ،كل ما يمكن أن يفعله الشيطان ليغوي ابن آدم بارتكاب المعاصي ،فلابد أن يكون آدم عليه السلام على الحالة التي يكون عليها الإنسان الذي يستهدفه الشيطان بالغواية ،لابد أن توضح القصة كل مسالك الشيطان واساليبه للإيقاع بالبشر ،ويكون حال آدم هو حال معظم البشر الذين توعدهم الشيطان بالغواية ،لو كان آدم من البداية من عباد الله المخلصين الذين استثناهم الشيطان لغابت تفاصيل كثيرة من القصة ولفقدنا العبرة في كيف يستطيع الشيطان أن يحقق غرضه الشرير ،هذه القصة تصور هذا وبالمقابل فقصة يوسف عليه السلام مع الشيطان هي القصة المتكاملة مع هذه القصة والتي تصور كيف يستطيع العبد المخلص لله أن ينجو من براثن الشيطان ويقهره ويتغلب عليه 122]
الدليل السابع
هل كان آدم عليه السلام وزوجه مهيآن للعيش في جنة المأوى ؟ من المعلوم ان معيشة الإنسان في هذه الحياة الدنيا تختلف عن معيشته وحياته بعد الموت والبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب ،فجنة الخلد هي مكان يحيا فيها المؤمن بعد موته وبعثه حياة أبدية بطريقة ونظام يختلف تماما عن حياته الدنيوية قبل موته ،كما أن طبيعة البشر ايضا تختلف ،فمثلا عندما سأل موسى عليه السلام ربه أن يريه أن ينظر إليه قال له لن تراني وعندما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا
(وَلَمَّا جَاۤءَ مُوسَىٰ لِمِیقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِیۤ أَنظُرۡ إِلَیۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِی وَلَـٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِیۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكࣰّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقࣰاۚ فَلَمَّاۤ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَـٰنَكَ تُبۡتُ إِلَیۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ)
[سورة الأعراف 143]
بينما يذكر القرآن والأحاديث النبوية ان أعلى ما يتمتع به المؤمن في الجنة هو رؤية الله سبحانه وتعالى
(وُجُوهࣱ یَوۡمَىِٕذࣲ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةࣱ)
[سورة القيامة 22 - 23]
وأما الاحاديث
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الدَّالَّةُ عَلَى الرُّؤْيَةِ فَمُتَوَاتِرَةٌ رَوَاهَا أَصْحَابُ الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ
فَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ نَاسًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا لَا، قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ الحديث أخرجاه في الصحيحين
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ " نَظِيرُه
وَحَدِيثُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ الْحَدِيثَ، أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ". موقع ابن باز رحمه الله
آدم عليه السلام كان إنسانا له طبيعته البشرية يحيا حياة دنيوية لها قوانين وسنن محددة وضعها الله لا تتبدل ولا تتغير ،الفارق بين الحياة الدنيوية والحياة الآخرة أن الله طبعا في كليهما لا يحدث شيء إلا وفق مشيئته سبحانه وتعالى ولكن بينما يجريها في الدنيا من خلال هذه السنن والقوانين ،يجريها في الحياة الآخرة بمشيئته المباشرة بلا اسباب ومسببات سواء في الجنة او في النار
الغذاء أو الطعام والشراب في الدنيا وظيفته الاولى والتي هي في غاية الضرورة هي إمداد الكائنات الحية بالطاقة التي تأتي إلينا من الشمس ،نجم يبعد عنا بثلاثة وتسعين مليون ميل من خلال تدابير غاية في الإبداع والإمتاع ، والإعجاز ،التمتع والتلذذ بمذاق الطعام والشراب والتمتع بمنظر الثمار شكلا ولونا وتعددا هو فرط كرم ورحمة وسعة من الله سبحانه وتعالى هو أيضا آيات على وجوب وجود إله قادر ،كريم ،عظيم لنتدبر ونؤمن به عن قناعة وبصيرة ويقين كما يوجهنا الله في كتابه الكريم
(وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَیۡءࣲ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرࣰا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبࣰّا مُّتَرَاكِبࣰا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانࣱ دَانِیَةࣱ وَجَنَّـٰتࣲ مِّنۡ أَعۡنَابࣲ وَٱلزَّیۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهࣰا وَغَیۡرَ مُتَشَـٰبِهٍۗ ٱنظُرُوۤا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦۤ إِذَاۤ أَثۡمَرَ وَیَنۡعِهِۦۤۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكُمۡ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ)[سورة الأنعام 99]
وبالإضافة إلى ما نراه في نعمة التلذذ والتنعم بمذاق وشكل ولون ورائحة الثمار من كرم عظيم وقدرة بالغة لله تدفعنا للإيمان به سبحانه وتعالى عن قناعة وبصيرة و يقين فهنا تتجلى أيضا صفة الحكمة والعدل الإلهي ،لأن الله دائما يعدنا بان ثمرة الطاعة هي الجنة بما فيها من متعة الطعام والشراب فلابد أن يكون لدينا خبرة عن هذه المتعة حتى يكون لدينا شيء من التصور عن متعة الجنة في الآخرة وإن اختلفت المعايير كثيرا ،وإلا لو كان الطعام والشراب بلا لون او طعم او رائحة وهو مجرد وسيلة للحصول على الطاقة فكيف يدفعنا هذا للطمع في دخول الجنة عن طريق عبادة الله وطاعته؟
وهذا بالمثل حال النار التي يحذرنا الله من دخولها بسبب المعاصي والذنوب ،نحن لدينا فكرة شديدة عن الالم الذي يحدثه مجرد حرق صغير وعلى ذلك علينا ان نبتعد عن كل ما يؤدي إلى عذاب النار في الآخرة
(أَفَرَءَیۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِی تُورُونَ ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَاۤ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ نَحۡنُ جَعَلۡنَـٰهَا تَذۡكِرَةࣰ وَمَتَـٰعࣰا لِّلۡمُقۡوِینَ)
[سورة الواقعة 71 - 73]
المهم الهدف الأساسي للطعام والشراب ليس التلذذ بمذاقه وشكله ، فحتى لو كان الإنسان يعاني من فقدان الشهية فلابد ان يتناول طعامه ولابد أن يحتال الأطباء على إدخال الطعام إلى جسم المريض ولو حتى بعيدا عن الفم الذي هو فقط منطقة التذوق والاستمتاع بتناول الطعام الذي يعجز عن تناوله ،ولكن لاستخراج الطاقة الضرورية لحياتنا والتي لا تعمل كل أجهزة الجسم إلا بها ،ولذلك يعرب الجسم عن حاجته للطعام بشعور الجوع الذي ينبه الإنسان لهذه الحاجة فيتناول طعامه وكذلك شعور الظمأ ينبه الجسم للحاجة للماء الذي جعل الله منه كل شيء حي والذي هو ضرورة في العمليات الحيوية لاستخراج الطاقة من الطعام
الله عندما أسكن آدم الجنة حذره من تمكن الشيطان أن يخرجه منها تعهد له وذريته ان احتياجاته الضرورية ستكون اسبابها متاحة في هذه الجنة ،فأخبره انه ونسله لن يجوعوا فيها ولن يعروا ولن يظمئوا ولن يضحوا ،فما معنى إن لك الا تجوع فيها ،هل معناه انك ستتحول إلى كائن ذي طبيعة مختلفة لا تمارس الشعور بالجوع لانك لن تكون بحاجة إلى الطعام مثل الملائكة ،أو أنك عندما يبدا شعورك بالجوع معلنا حاجة جسمك إلى الطاقة التي يوفرها لك الطعام ستجده لأن أسباب الرزق به متاحة ،آدم كان بشرا يحيا حياة دنيوية تعتمد على اسباب ومسببات ،فلابد أن تكون طبيعة الطعام في الجنة الملائمة لحياته ،طعام يهضم ويمتص وتستخرج منه الطاقة عن طريق عمليات حيوية بالغة التعقيد والدقة والنظام ويتبقى بعدها فضلات مواد تسبب تسمما لجسم الإنسان إذا بقيت فيه وعلى ذلك فهو منذ خلقه من الطين وتصويره ،جسمه فيه الجهاز الهضمي الذي يقوم بتحويل الطعام الى صورة قابلة للامتصاص الى الدم حيث تتم التفاعلات الحيوية وكذلك يقوم هذا الجهاز بالتخلص من البقايا التي تهضم وبقايا مواد الهضم والجهاز الدوري اللازم لمده بالاكسجين الضروري واستخراج الطاقة ،وكذلك الجهاز الإخراجي للتخلص من بقايا التمثيل الغذائي السامة وعلى ذلك انا لا أتفق مع من يقول إن الشجرة المحرمة كانت تختلف عن بقية شجر الجنة بأنه كا هناك فضلات لهضمها تستدعى إخراجها وهذا ما أدى إلى إبداء السوءة للزوجين ،هذا بالإضافة إلى أنه لابد من وجود علاقة مباشرة بين ابداء السوءة الجسدية والمعصية ،لابد أن تتبدى هذه السوءة مباشرة بمجرد تذوقهما الشجرة ،هكذا يقول القرآن
(فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورࣲۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَ ٰ تُهُمَا وَطَفِقَا یَخۡصِفَانِ عَلَیۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَاۤ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاۤ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوّ
ࣱ مُّبِینࣱ)[سورة الأعراف 22]
بدت لهما سوءاتهما بمجرد تذوق الشجرة ،بمجرد ارتكاب المعصية
لأن تبدي السوءة الجسدية هو الذي أدى إلى تبدي السوءة النفسية لهما فأدركا أنهما طلكونهما بشر يوجد في نفسيهما هذا الإلهام بالفجور أو القدرة على ارتكاب المعصية في حين ان ترتب تبدي السوءة الجسدية على وجود فضلات لم تهضم ونواتج لعملية الهضم يتطلب مرور وقت بين تذوق الشجرة وتبدي السوءة لا يجعلهما يدركان ترتب نزع ستر الله عنهما على المعصية
الحياة في جنة الخلد لا تخضع لهذه القوانين والسنن والأسباب ،إنها تجري بمشيئة الله المباشرة ،ليس في جنة الخلد فقط ولكن في النار أيضا ،ففي النار وقانا الله شرها ليس فقط لا توجد مثل هذه الاسباب الدنيوية للحياة ولكن النار نفسها بمقاييس الدنيا هي سبب اكيد للموت ولكن الكافر فيها خالد لا يموت وكلما خبت زادها الله سعيرا
(وَمَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن یُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡیࣰا وَبُكۡمࣰا وَصُمࣰّاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَـٰهُمۡ سَعِیرࣰا)
[سورة الإسراء 97]إنها إرادة الله المباشرة
فَأَمَّا ٱلَّذِینَ شَقُوا۟ فَفِی ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِیهَا زَفِیرࣱ وَشَهِیقٌ خَـٰلِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَاۤءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالࣱ لِّمَا یُرِیدُ وَأَمَّا ٱلَّذِینَ سُعِدُوا۟ فَفِی ٱلۡجَنَّةِ خَـٰلِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَاۤءَ رَبُّكَۖ عَطَاۤءً غَیۡرَ مَجۡذُوذࣲ)
[سورة هود 106 - 108]
الخلاصة من هذا الكلام أن الحياة في الدار الآخرة تختلف طبيعتها وطبيعة الإنسان فيها عن طبيعته في الدنيا ،الله عندما يتحدث عن الطعام والشراب في الجنة لا يتحدث بمقاييس دفع الجوع والظمأ وتدبير الاحتياجات الضرورية ولكن بمقاييس المتعة الخالصة ،في الطعام والشراب والملبس والآيات كثيرة
(وَفَـٰكِهَةࣲ مِّمَّا یَتَخَیَّرُونَ وَلَحۡمِ طَیۡرࣲ مِّمَّا یَشۡتَهُونَ)
[سورة الواقعة 20 - 21]
(مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِی وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِیهَاۤ أَنۡهَـٰرࣱ مِّن مَّاۤءٍ غَیۡرِ ءَاسِنࣲ وَأَنۡهَـٰرࣱ مِّن لَّبَنࣲ لَّمۡ یَتَغَیَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَـٰرࣱ مِّنۡ خَمۡرࣲ لَّذَّةࣲ لِّلشَّـٰرِبِینَ وَأَنۡهَـٰرࣱ مِّنۡ عَسَلࣲ مُّصَفࣰّىۖ وَلَهُمۡ فِیهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَ ٰتِ وَمَغۡفِرَةࣱ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَـٰلِدࣱ فِی ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَاۤءً حَمِیمࣰا فَقَطَّعَ أَمۡعَاۤءَهُمۡ)
[سورة محمد 15]
(عَـٰلِیَهُمۡ ثِیَابُ سُندُسٍ خُضۡرࣱ وَإِسۡتَبۡرَقࣱۖ وَحُلُّوۤا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةࣲ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابࣰا طَهُورًا)
[سورة الإنسان 21]
الشمس التي هي مصدر الحياة لجميع الكائنات الحية في جنة الخلد يقول الله تعالى في كتابه الكريم أن المؤمنين لا يرون هذه الشمس
(مُّتَّكِـِٔینَ فِیهَا عَلَى ٱلۡأَرَاۤىِٕكِۖ لَا یَرَوۡنَ فِیهَا شَمۡسࣰا وَلَا زَمۡهَرِیرࣰا وَدَانِیَةً عَلَیۡهِمۡ ظِلَـٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِیلࣰا)
[سورة الإنسان 13 - 14]
فهل هم لا يرون الشمس لان الله يحجب عنهم اثرها الضار بالظلال الوارفة الدانية ،طبعا الله سبحانه وتعالى اعلى واعلم ولكن لا اظن والله أعلم أنه يوجد شيء ضار يحجب ضره في الجنة كما أن الشمس لا حاجة بها فالخلود يحدث بإرادة الله المباشرة ،أما الظلال الوارفة فهي مثل الطعام والشراب للمتعة الخالصة
هذه الحياة لا تناسب بالقطع إنسانا بشرا مثل آدم وزوجه يمضي الله مشيئته في أن يحيا من خلال سنن وقوانين واسباب ليست هي طبيعة جنة الخلد وعلى ذلك افهم أن آدم عليه السلام وزوجه لم يكونا مهيآن أو طبيعتهما قابلة للحياة في جنة الخلد
الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما يقول الرسول الكريم وهذا دليل آخر على أن آدم عليه السلام وزوجه لم يريا هذه الجنة قط .
الدليل الثامن
ذكرت سابقا أن إبليس قد تم طرده من السماوات كلها إلى الأرض لأن السماوات ليست مكان معصية وتكبر ولكنها مكان تسبيح لله وتعظيم ،وعلى ذلك لا يمكن تصور دخول إبليس مرة أخرى إلى نفس المكان الذي عصى الله فيه وتكبر ليرتكب معصية أخرى .
إبليس كان مصرا على أن يوقع بآدم ويغويه بأي طريقة يسلكها ،فعداوته الشديدة بسبب تكريم الله آدم عليه وأمره بالسجود له ،قد ازدادت بسبب تسبب هذا في لعنه وذمه ودحره وإخراجه ،الخطوة الثالثة التي لم يتورع إبليس عن الإقدام عليها رغم بشاعتها ورغم أنه يعلم أن الله شديد العقاب ولذا فهو يخافه
(وَإِذۡ زَیَّنَ لَهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَعۡمَـٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡیَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّی جَارࣱ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَاۤءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِ وَقَالَ إِنِّی بَرِیۤءࣱ مِّنكُمۡ إِنِّیۤ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ)
[سورة الأنفال 48]
هو أنه أقسم بالله حانثا أنه للزوجين من الناصحين
(فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِیُبۡدِیَ لَهُمَا مَا وُۥرِیَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَ ٰ تِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَا مَلَكَیۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَـٰلِدِینَ وَقَاسَمَهُمَاۤ إِنِّی لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِینَ)
[سورة الأعراف 20 - 21]
ما وسوس به الشيطان للزوجين كان تزيينا للمعصية وخداعا يعكس عداوته الشديدة وحرصه على إغضاب الله وظلم نفسيهما ومع ذلك كان يقسم على عكس ذلك تماما أليس هذا استهانة بهذا القسم العظيم ،ألس هذا ذنب كبير ومن الموبقات ،هل يمكن أن يسمح الله تعالى للشيطان أن يفعل ،هذا في نفس المكان الذي طرد منه لنفس السلوك ؟
الدليل التاسع
تناقضات :
ألا يوجد ثمة تناقض بين عبارة شجرة الخلد التي زعم الشيطان أنه سيدل آدم عليها ، والتي لم يستعملها الشيطان إلا لعلم آدم أنه صائر إلى الموت حتما ، وبين وجود آدم في جنة الخلد التي لا موت فيها ، وبين علم آدم أنه ميت على الرغم من وجوده في جنة الخلد ، كل هذه تناقضات ، التفكير البسيط يقول ، إن عبارة شجرة الخلد لا تقتضي فقط علم آدم ان حياته ستنتهي بالموت ولكن وجوده في مكان لا يخلد فيه الإنسان ، ولا يكون هذا إلا على الأرض ، وإذا قيل فكيف يتصور آدم أن يكون هناك خلود على الأرض فأقول ألم تكن هذه هي الكذبة والخدعة التي خدع إبليس آدم بها ، صور له أن هناك شجرة في هذه الجنة الأرضية من يأكل منها لا يموت ولم يكن الأمر كذلك بالطبع ، ولا يزال الخلود هو حلم البعض ممن يعيشون على الأرض ويتحدثون ويبحثون عن أكسيرالحياة الذي يحقق الخلود ، ثم إن إبليس صور له أيضا أن الأكل من الشجرة سيحوله من إنسان إلى ملاك وهذا بالطبع مستحيل سواء أكان في جنة الخلد أو جنة أرضية ومع ذلك فقد صدقه آدم ، تدليس وخداع مرة أخرىا
.
: جنة الخلد هي فقط مكان مكافأة الطائعين بعد موتهم وبعثهم
لا أدري لماذا يسكن الله آدم جنة الخلد في بدء حياته الدنيا ، وجنة الخلد كما هو معلوم ليست لمثل هذه الحياة ، ولكنها المكافأة التي أعدها الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين المتقين الطائعين بعد موتهم وبعثهم وحسابهم ، كما أن النار هي المكان الذي ينتظر الفريق الآخر من الناس يوم القيامة ، حكم دخول الجنة هو حكم دخول النار ، كما أننا لا نتصور أن يدخل أحد النار قبل أن يعصي الله ويكون مستحقا لدخولها ، فنفس الوضع بالنسبة للجنة وآدم عليه السلام لم يفعل بعد ما يستحق عليه لا دخول الجنة ولا النار ولم يمت ولم يبعث ولم يحاسب ، ، والذين يقولون إن آدم خلق في الجنة ابتداء لأن الجنة هي الأصل ، أي أن الأصل أن يدخل الإنسان الجنة فإذا فعل ما لم يجعله مستحقا لها يدخل النار ، ولا أدري ما هو الدليل على ذلك ؟ الأصل في هذه الحياة الدنيا هو أن نكون على الأرض
، ليس في الجنة ولا في النار ، بنص القرآن وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
[سورة البقرة 30]
وحكم الجنة بعد ذلك للطائعين هو حكم النار للعاصين ، الآيات التي تتحدث عن الثواب والعقاب دائما متلازمة ، ، والإنسان بعد الموت وفي قبره يعرض عليه إن كان من الصالحين موضعه من النار قد أبدله الله مكانا في الجنة ، وإن كان من العاصين يعرض عليه مكانه في الجنة قد أبدله الله مكانا في النار ، فلماذا يخلق آدم ابتداء في جنة الخلد؟ الغريب أن من يقول بفكرة أن الجنة هي الأصل يدلل عليها بما يعتقده من أن إسكان آدم كان في جنة الخلد ثم هو يبرر كونها جنة الخلد باعتقاده انها الأصل فهل هذا أسلوب استدلال ؟
الدليل العاشر
الرد على بعض الأدلة على أن الجنة التي أهبط منها آدم كانت جنة الخلد :
هذا الكلام قد أشرت إليه سابقا عند الحديث عن الأدلة الأخرى على كونها جنة أرضية وليست جنة الخلد ولكن اعود فأعرضها هنا للتأكيد
أولا :
من يرون أن كون الهبوط قد حدث إلى الأرض يعني أنه كان من مكان في السماء لأن الهبوط يعني الانتقال من مكان مرتفع إلى مكان منخفض )
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
[سورة البقرة 38]
(قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ)
[سورة اﻷعراف 24]
وفي الحقيقة من يتأمل القرآن الكريم يجد أنه لا يشترط للهبوط أن يكون من
مكان مرتفع إلى مكان منخفض كما نرى في قوله تعالى
: (.....اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ۗ .....)
[سورة البقرة 61]
(قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيم
ٌ)[سورة هود 48]
كما يوجد أكثر من مفهوم لكلمة الأرض
: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)
[سورة آل عمران 190]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)
[سورة اﻷنعام 1]
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
[سورة النحل 3]
في هذه الآيات نفهم جيدا أن مفهوم الأرض هنا هو المقابل للسماوات ، بما يعني كوكب الأرض ، هذا لا خلاف فيه
(وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا)
[سورة اﻹسراء 104]
(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)
[سورة البقرة 71]
(فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ)
[سورة يونس 83]
(وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
[سورة يوسف 56]
هنا يختلف مفهوم الأرض ، إنه ليس كوكب الأرض المقابل للسماء ، لم يكن بنو إسرائيل في السماء عندما أمرهم الله أن يسكنوا الأرض ، ولا كان المقصود ببقرة بني إسرائيل أنه تثير كوكب الأرض ، ولا كان فرعون حاكما على كوكب الأرض كله وكذلك لم يمكن الله ليوسف في كوكب الأرض كله يتبوا منه حيث يشاء ، ولكن المقصود في كل حالة أماكن على الأرض .
وبالمثل لا افهم من قصة آدم أن المقصود في كل مرة من كلمة الأرض هو الأرض المقابل للسماء ولكن كان هناك مفهومان لكلمة الأرض :
الأول :
هو ما نفهمه من قوله تعالى
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
[سورة البقرة 30]
(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)
[سورة الحجر 39]
هنا المقصود بالأرض هو الأرض التي هي مقابل السماء ، بما يعني أن هذه الأرض كلها ستكون مكان خلافة آدم وبنيه
هذه الأرض تحتوي على موضعين لا ثالث لهما
الأول هو الجنة الأرضية
والثاني
هو الأرض خارج الجنة الأرضية وهذا هو المفهوم الثاني لكلمة الأرض ونراه في قوله تعالى :
(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ)
[سورة البقرة 36]
: الجنة الأرضية والأرض خارجها يجمعهما قانون واحد من حيث إن :
أيا منهما يمكن أن يكون مكان الخلافة فكليهما ينتمي إلى الأرض التي هي مقابل السماء والذي يحدد مكان الخلافة هو آدم عليه السلام وزوجه طبعا ، إذا لم يمكن آدم الشيطان من إغوائه ستكون هذه الجنة الأرضية هي مكان التكليف أما إذا أغوى الشيطان آدم فسيكون الهبوط إلى الأرض خارج الجنة والتكليف فيها ،
بمعنى أنه كان بإمكان آدم أن يحتفظ لنفسه وذريته من بعده بالبقاء في الجنة حيث لا يشقون ،
فلا يجوعون ولا يعرون ولا يظمئون ولا يضحون إذا لم يمكن إبليس من إغوائه إذا آدم مسئول تماما عن الخروج من الجنة وانتقال الخلافة إلى أرض الشقاء كما اعترف هو نفسه بهذه المسئولية في الحديثين الصحيحين التي أشرت إليهما سابقا
كلا منهما مكان للتكليف وقد كلف آدم في الجنة الأرضية ، واستمر تكليفه وبنيه من بعده على الأرض التي أهبط إليها ، ولو تأملنا كلمات القرآن لوجدنا أن طبيعة
التكليف وقانونه واحد في كلا المكانين فالله سبحانه وتعالى يقول
: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)
[سورة البقرة 35]
ووصف آدم وزوجه بالظالمين أي الظالمين لنفسيهما هو نفس الوصف الذي يطلق في القرآن على كل من يخالف أوامر الله ونواهيه فيحرمها من ثواب الطاعة ويورثها عقاب المعصية فلا يظلم بذلك إلا نفسه .
كلا منهما كان يسمح بالاحتكاك الشديد بين الشيطان وبين آدم وبنيه فعندما قال (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)
[سورة الحجر 39]
كان هذا الكلام قبل أن يتعرض لآدم وزوجه بتزيين المعصية لهما ، وقبل أن يتعرض لأي من ذرية آدم الذي استمر وسيستمر حتى تقوم الساعة ، هذا التعرض والاحتكاك وتزيين المعصية مقدر له أن يكون على الأرض كما قال إبليس وقد بدأ بآدم في الجنة الأرضية واستمر مع بنيه في الأرض التي اهبط إليها آدم بعد الخطيئة وكلاهما ينطبق عليه مفهوم الأرض التي هي مقابل السماء والتي هي مكان احتكاك الشيطان بالجنس البشري ، وعندما يقول القرآن على لسان إبليس : (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)
[سورة اﻷعراف 16 - 17]
هذا الحديث أيضا كان قبل الإغواء ، يصور كيف سيكون الاحتكاك مع ذرية آدم على أشده ، هذا الاحتكاك لم يكن يعتمد على نجاح إبليس في إخراج آدم وزوجه من الجنة ، بل قد بدأ بآدم في الجنة واستمر مع ذريته خارجها ، فهل يمكن أن يظن بعد هذا أن هذه الجنة كانت جنة الخلد ؟
4 - كلا المكانين يصلح أن يعيش فيه آدم ونسله حياة دنيوية تعتمد على أسباب وسنن ، حياة تنتهي بالموت الفارق الوحيد بينهما هو أنه في الجنة الأرضية سيضمن الله لآدم ونسله من بعده قضاء كل احتياجاته الضرورية من مأكل وملبس ومشرب ومأوى ، ولكن في الأرض خارجها سيعاني من الشقاء بسبب نقص هذه الضروريات مما يعرض حياته للخطر ويجعله في قلق دائم على نفسه وبنيه ، وربما كان هناك أمر آخر في أرض الشقاء التي اهبط إليها آدم ، وهو العداء بين بعض أبناء آدم والبعض الآخر حيث لم يشر الله إلى هذا العداء إلا عند الهبوط من الجنة : (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ)
[سورة البقرة 36]
ثانيا :
كلمة " الجنة " جاءت معرفة في قوله تعالى "اسكن أنت وزوجك الجنة " وحسب رأيهم أن ورود لفظ الجنة معرفا يعني المقصود بها شرعا جنة المأوى ، هذا على الرغم أن بعض العلماء الأفاضل ممن يتبنون وجهة النظر الأخرى قد أوضحوا أن لفظة الجنة قد جاء في القرآن معرفا أيضا عند الحديث عن جنة سورة القلم هكذا: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ)
[سورة القلم 17]
ومن المعروف طبعا أن المقصود بها لم يكن أبدا جنة الخلد ولكن جنة موجودة على الأرض التي نعيش عليها الآن ، إذا لا يشترط لوجود لفظ الجنة معرفا أن يعني هذا بالضرورة جنة الخلد ، وفي رأيي كما أوضحت سابقا أن سبب ورود لفظ الجنة التي أسكن الله آدم إياها قبل إغواء الشيطان له معرفا ، أنه لم يكن هناك سوى مكانين من المحتمل ان تكون خلافة آدم وتكليفه في أي منهما ، وهما الجنة الأرضية، والأرض خارجها فمن الطبيعي أن يكون كليهما معرفا عند الحديث عنه ، أما جنة الخلد فكما أوضحت في جميع النقاط السابقة لا يمكن أن تكون هي المكان الذي أسكن فيه آدم فلم توجد أبدا لأي نوع من الحياة الدنيوية ، ولا يدخلها الإنسان إلا بعد الموت والبعث والحساب في نعيم أبدي وحياة أخروية خالدة ، وفي الحقيقة ، إن تعريف هذه الجنة الأرضية التي أسكن آدم فيها في بدء حياته أولى من تعريف جنة سورة القلم فبينما هذه الجنة الأرضية هي الجنة المقابلة للأرض التي أهبط إليها آدم والتي نعيش عليها الآن ، فجنة سورة القلم هي إحدى الجنات الموجودة على هذه الأرض شأنها شأن غيرها من الأماكن التي
وصفت في القرآن بالجنات أيضا كما في سورة الكهف مثل
ا : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا)
[سورة الكهف 32]
أو في سورة الرعد (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
[سورة الرعد 4]
ولذا نرى أن جنة سورة القلم قد أصبحت كالصريم ، وجنتا سورة الكهف قد أصبحتا خاويتين على عروشهما أما الجنة التي أسكن فيها آدم فقد وصفت بأنها لا يجوع من فيها ولا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى ، ثم بالنسبة للحديث عن التعريف وما يعنيه ، لو افترضنا حتى قبل الحديث عن أي أدلة لو كان المقصود بالجنة التي أسكن فيها آدم هي جنة أرضية وهو الاحتمال الآخر الذي يعارضه هؤلاء العلماء الأفاضل ، فما هو حسب رأيهم القول الذي ينطبق على هذه الجنة ، أن يقول الله لهما " ويا ادم اسكن أنت وزوجك جنة هكذا نكرة طالما أن التعريف يعني فقط جنة الخلد ؟ ألا يعني ذلك حينئذ أن المقصود هو أي جنة من الجنات الموجودة على الأرض التي أهبط إليها آدم والتي لم يتعهد الله لآدم وذريته في اي منها باستمرار توفير أسباب قضاء حاجاتهم الضرورية لهم ،ألا يعني هذا أن التعريف هنا ضرورة ؟
مواضيع متعلقة بقصة آدم عليه السلام
كيف تكون قصة آدم مع الشيطان تجربة كاملة في كل تفاصيلها
ها
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون سورة البقرة
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين سورة ص 71 - 72]
القرآن الكريم يخبرنا أنه قبل خلق آدم عليه السلام أخبر الله ملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة هو بشر من طين وأن عليهم أن يقعوا على الأرض ساجدين له إذا ما سبحانه وتعالى سواه ونفخ فيه من روحه
من كلام الملائكة وردهم على الله سبحانه وتعالى نفهم أنهم فهموا من كلمة خليفة أنه كائن له إرادة حرة يمكن أن يطيع أو يعصي ولذا نظروا إلى الأمر على خلفية من طبيعتهم الملائكية التي لا تعصي الله ما أمرها وتفعل ما تؤمر نظرة إشفاق من مقدرة هذا الكائن على فعل المعاصي فهم يرون أن الله سبحانه وتعالى لا يجوز بالنسبة لأوامره إلا الطاعة وأن المعصية ستسبب سفك الدماء والإفساد في الأرض لا نتصور أن الملائكة كانوا معترضين على أمر الله أوانهم كانوا يعتقدون أنهم الأولى بالخلافة في الأرض وهم أهل السماء ولا يقبل منهم إلا أن تعليقهم كان بخصوص المعصية التي يمكن أن يأتي بها هذا الكائن ونسله والتي هم مفطورون على عدم فعلها والذي أفهمه أن إبليس أيضا كان بين الملائكة وتلقى أمر السجود لهذا الخليفة المنتظر وعلم مثلهم ماذا تعني كلمة خليفة ولكنه نظر إلى الأمر على خلفية من طبيعته الشيطانية فما دام هذا الكائن يمكن أن يعصي فليكن الإغواء بالمعصية هو سبيله إلى الانتقام منه ومن ذريته لأنه أمر بالسجود له بينما هو يرى أنه خير منه لأن الله خلقه من نار بينما خلق آدم من طين ولكن هناك شيء ما يتفق كل من الملائكة والشيطان عليه وهو أن هذا المخلوق الخليفة مهما عصى فلن يبلغ أبدا ضر الله فيضره تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا نرى ذلك من قول الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء فالضرر لن يعود إلا على الأرض التي فيها الخلافة وكذلك على هذا المخلوق ومن قول إبليس فبعزتك لأغوينهم أجمعين فهو يقسم بعزة الله التي يعرفها والتي لولا علمه بها ما جرؤ على أن يغوي مخلوق لأنه ليس في وضع مواجهة مع الله سبب معصيته كلها هو هذا العداء المبين الذي يكنه لآدم وذريته
أما الله سبحانه وتعالى فهو الخالق المصور الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير فقد أخبرهم بطريقة عملية كيف أن هذا الكائن ليس مجرد مخلوق يطيع أو يعصي ولكنه مخلوق مميز مكرم أمده الله بكل ما يجعله أهلا لهذه المسئولية العظمي مسئولية الخلافة وتحقيق إرادة الله في الأرض فقد علمه الله الأسماء كلها وعندما سأل ملائكته أن ينبئوه بأسماء بعض الأشياء اعتذروا بانه لا علم لهم إلا ما علمهم الله كان آدم على استطاعة أن ينبئهم بهذه الأسماء عندما أمره الله أن يفعل وتعليم أو القابلية لتعلم الأسماء هي شيء غاية في الأهمية لمهمة الخلافة هي ضرورة للمعرفة والإدراك والتواصل فكل ما حولنا وما نتعامل معه من أشياء مادية أو معنوية هي أسماء قابلية تعلمها يجعل الإنسان قادر ا على التعلم والتخاطب وتلقي الرسالات وربما تعني عبارة وعلم آدم الأسماء كلها جعله قادرا على إعطاء كل شيء ماديا كان أو معنويا رمزا هو عبارة عن اسم منطوق وهي مقدرة يمثل فيها آدم الجنس البشري كله الذي افرده الله بهذه المقدرة العظيمة بل وبلغات كثيرة .
سجدت الملائكة لآدم في الحال عندما أمرهم الله وامتنع إبليس عن السجود كما هو معروف وكان هذا في السماء التي لا أظن إلا أن آدم خلق فيها ولكن من طين الأرض وليس في جنة المأوى التي كما أوضحت سابقا ليست هي المكان الذي حدثت فيه معصية إبليس أو معصية آدم وكانت عقوبة إبليس على معصيته اللعن والذم إلى يوم الدين وعقوبته على مخالفة قانون المكان وهو السماء التي لا يجوز فيها أبدا ارتكاب المعاصي هي الإخراج والطرد إلى الأرض بما يعني أنه بعد معصية إبليس مباشرة كان هناك في السماء ثلاثة أنواع من المخلوقات الملائكة التي لا تعصي الله ما أمرهم وتفعل ما تؤمر والتي سارعت بتنفيذ الأمر الإلهي بالسجود لآدم ، إبليس الذي عصى ورفض السجود ، وآدم فأما الملائكة فبقيت في السماوات إلا ما كان لها مهمة في الأرض وأما إبليس وآدم فقد غادرا السماء إلى الأرض ، إبليس كعقوبة ملعونا مذءوما ، وآدم لأن هذا هو المكان المقرر أن تكون الخلافة فيه ، فهو ينتقل إليه بطريقة لينة يسكنه الله فيها الجنة الأرضية ، ونلاحظ هذا جيدا من الفارق الواضح بين أسلوب الخطاب لإبليس ، وأسلوب الخطاب لآدم حال مغادرتهما السماء إلى الأرض
(قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ۖ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)[سورة اﻷعراف 18 - 19]
بعد ذلك نرى كيف أغوى إبليس آدم وكيف أن كل ما فعله إبليس بآدم لا يمكن أن يخرج عنه ما يفعله هذا العدو اللعين بأي من ذرية ونسل آدم عليه السلام :
أمر الله آدم أن يأكل من كل شجر الجنة فيما عدا شجرة واحدة حددها الله له ونلاحظ هنا :
كان أمر الله لآدم في غاية الوضوح فقد حدد له الشجرة تحديدا دقيقا بقوله، هذه الشجرة فلا سبيل أن يلتبس عليه الأمر في أن المحرم شجرة أخرى
أخبره أن عاقبة المعصية هي أن يكون من الظالمين الذي ظلموا أنفسهم بإغضابهم الله وتعرضهم لعقابه ، وفي هذا نرى أن آدم كان على أعلى مستوى من الفهم ، وأن مفهوم المعصية كان حاضرا في ذهنه ووارد ولذا فهو أهل لهذا التكليف ومسئول عما يفعل
حذره بمنتهى الوضوح من الشيطان وكيف أنه عدو له ولزوجه وإن استجابته له تعني إغواء بارتكاب معصية قد تكون الأكل من الشجرة أو غيرها وقد حدد الشيطان بقوله : هذا وهذا قمة التحديد، وبين له بكل وضوح أن عاقبة الاستماع إلى الشيطان هي الإخراج من الجنة وما يتبع ذلك من شقاء
وهذا ما نراه في كل أوامر الله إلينا ونواهيه التي تأتي في كتبه وعلى لسان رسله الذين ليس عليهم إلا البلاغ المبين ، كل شيء واضح وعواقبه واضحة ومعروفة .
آدم شأنه شأن عباد الله المتبعين لصراطه المستقيم الذين تعنيهم هذه التجربة نفذ الأمر الإلهي وابتعد عن الشجرة المحرمة التي نهاه الله عن الأكل منها ، وكما أشرت سابقا لم يكن هذا الابتعاد بجسمه فقط بل أخرجها من دائرة تفكيره ، حتى لا توسوس له نفسه بالاقتراب والأكل منها ، ونعلم ذلك من عدم تحفظ آدم عندما حدثه إبليس عن شجرة الخلد والملك الذي لا يبلى وسؤاله عما إذا كانت هذه شجرة أخرى غير الشجرة المحرمة فلربما والله أعلم لو كان فعل لاختلف الأمر ونلاحظ
استعمل إبليس في البداية أسلوب يجذب به آدم ليلتفت ويستمع إليه بعد التحذير الإلهي منه فقال: هل أدلك ؟ ألا نرى تشابه مع ما يتبعه شياطين الإنس مع بعض عباد الله المؤمنين المتبعين لصراطه المستقيم
اتبع أسلوب الخطوات الذي حذر الله منه في أكثر من آية : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[سورة البقرة 168]
(وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ۚ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[سورة اﻷنعام 142]
الخطوة الأولى : (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ)[سورة طه 120]
نلاحظ هنا أن إبليس يعرض عرض غاية في الإغراء عن شجرة مجهولة بالنسبة لآدم بدون أي مقابل من معصية حتى يتقبله آدم ويستغرق في الأماني الكاذبة التي يمنيه الشيطان بها فيضعف مقاومته ويهبط عزيمته ثم يقول : (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ)[سورة اﻷعراف 20]
هنا عندما صحبه إلى مكان الشجرة فعلم أنها الشجرة المحرمة فاستمر إبليس في إغوائه وبيان ما ينتظره إن أكل منها بعد تعلقه وإرخاؤه العنان لأماني الخلود والملك مما أنهك قدرته على المقاومة ، ولم يكن أمام إبليس إلا الخطوة الثالثة : (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)[سورة اﻷعراف 21]
أقسم لهما فصدقانه ووقعا في المحظور
هذه هي الخطوات التي يتبعها الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس الذين يوحي إليهم ما يفعلونه للإيقاع بعباد الله وهي الخطوات التي حذر الله كثيرا منها كما أشرت .
نجح الشيطان في إغواء آدم وزوجه وأكلا من الشجرة المحرمة والله سبحانه وتعال يخبرنا انه بعد ارتكاب المعصية بدت لهمه سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة
هناك أمر في قصة آدم عليه السلام مع إبليس ربما يتشابه مع ما يحدث في اغواء إبليس لبني آدم، انه موضوع شجرة الخلد والملك الذي لا يبلى
الشيطان توعد آدم وذريته بالإغواء وتزيين المعصية وهذا يتطلب أو يؤدي إلى أن ينسي الشيطان آدم وذريته الهدف الذي لم يخلقوا إلا من أجله وهو العبادة وتنفيذ أوامر الله واجتناب نواهيه وأن هذه الدنيا ليست هي الهدف في حد ذاتها ولكن الهدف الحقيقي هو الآخرة والدنيا فقط معبر إليها لأن الحياة الدنيا فانية ولكن الشيطان عندما يغوي آدم عليه السلام يستخدم عبارة شجرة الخلد وملك لا يبلى إنها المتعة الخالدة وهذا عين ما يفعله مع نسل آدم ينسيه الهدف الذي ما خلق إلا من أجله يجعله يعيش وكأن هذه الدنيا باقية إلى الأبد فينسى الموت على الرغم من أنه يدرك هذه الحقيقة الوحيدة ،يجعله يستنيم إلى المتعة المحرمة وكأنها لن تنتهي بموته إذا حتى استطاع أن يستمر بالاستمتاع بها في الدنيا المعصية والاستمتاع بالشهوة المحرمة التي ستورده نار جهنم هي الهدف إنها شجرة الخلد وملك لا يبلى بدرجات مختلفة
رشوة يستحلها سرقة فحشاء معاقرة خمر ،لعب ميسر إنها متع يستمر في استغلال منصب او قوة او جاه او ممارسة استبداد او ذل أو قهر أو أي معصية يجد فيها لذته ويستغرق فيها كأنها خالدة وملك لا يبلى ،ما أغوى به إبليس آدم عليه السلام هو نفسه ما يستمر فيه في إغواء ذريته بدرجات مختلفة و بصورة أو أخرى والعاقبة معروفة
أيضا آدم عليه السلام بعد ارتكابه المعصية والأكل من الشجرة المحرمة وبمجرد إدراكه لهذه الحقيقة عندما تبدت سوأته وكما ذكرت لم تكن التوبة قد شرعت ولم يكن آدم وقتها يعرف كيف يتراجع ولكن الذي توصل إليه وهو العبد الذي خلقه الله بيديه ونفخ فيه من روحه أن يعود إلى البعد عن الشجرة ويمتنع عن الأكل منها كما امره الله سبحانه وتعالى لا تقربا هذه الشجرة ونعلم ذلك من قول الله تعالى ألم أنهكما عن تلكما الشجرة هكذا حاول آدم الرجوع إلى الله مباشرة بعد ارتكابه المعصية بما يعني أن سلوك آدم بعد المعصية كان نموذجيا ولم يكن هذا بالطبع هدف الشيطان الذي كان يريد أن يستمر آدم في الأكل من الشجرة بعدما زال الحاجز النفسي بين آدم وبين المعصية ،وهكذا يجب أن يفعل كل من ضعفت نفسه ونجح الشيطان في إغوائه ،يعود إلى الله سريعا ولا يستمرئ المعصية ويستهين بها والله سبحانه وتعالى فتح باب التوبه على مصراعيه وعلم آدم كيف يتوب بل هداه واجتباه
لعلاقة بين قصة آدم عليه السلام مع إبليس ،وقصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز
كما أشرت سابقا أن القصتين متكاملتان تتعلقان بموضوع واحد هو تعرض الشيطان لآدم عليه السلام وبنيه بالغواية ،الشيطان سيتعرض للجميع ولكنه يعلم مقدما أنه بينما سينجح في إغواء الكثيرين أو الأكثرية ويضلهم ويزين لهم في الأرض ويمنيهم بالأماني الكاذبة ،فإنه سيفشل في إغواء هؤلاء العباد المخلصين لله ،ويعتمد تفسير آية
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين
سورة يوسف 24
جزئيا عل
فكرة أنه لا الشيطان ولا هذا العبد من عباد الله المخلصين يعلم مقدما أنه كذلك ،هذا العلم يأتي فقط بعد الاحتكاك بالشيطان والتعرض لمكائده
وعلى ذلك فبينما تمثل قصة آدم عليه السلام وإبليس نموذجا قويا لحالة تعرض فيها عبد لم يكن وقتها من عباد الله المخلصين للشيطان فنجح في إغوائه باتباع طريقة الخطوات وتمنيته بالأماني الكاذبة وتزيين المعصية له ،تمثل قصة يوسف عليه السلام فشل إبليس من خلال استخدامه لامرأة العزيز في الإيقاع بيوسف عليه السلام ودفعه إلى ارتكاب السوء والفحشاء لأنه كان من عباد الله المخلصين بشهادة القرآن وهكذا تغطي القصتان فكرة احتكاك الشيطان بآدم عليه السلام وذريته لإغوائهم كما في الآيات
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين
َِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين
سورة الحجر 39 40 )
(قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِیَنَّهُمۡ أَجۡمَعِین
َ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِینَ
[سورة ص 82 - 83]
وهناك أشياء مشتركة أخرى بين القصتين ستضح بعد التعرض لقصة يوسف مع الشيطان من خلال امرأة العزيز
والآن إلى قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز
الحقيقة أن معظم التفاسير التي قرأتها تتحدث عن المواجهة التي كانت بين يوسف عليه السلام وبين امرأة العزيز على أنها الموضوع كله ،ليس شيء وراءها ،المفسرون مع الاحترام الشديد لهم وقفوا على ظاهر القصة ،،والحقيقة أن هذا الظاهر وراءه عمق شديد ،انها موضوع تعرض الشيطان بالغواية في صورة أشد ما يكون لعبد ظهر بعد هذا الاحتكاك كيف أنه كان من عباد الله المخلصين ولذلك فشل الشيطان في الإيقاع به
الإشارات القرآنية إلى أن القصة الحقيقية هي محاولة إغواء الشيطان ليوسف عليه السلام بارتكاب السوء والفحشاء وأن المواجهة التي تصورها القصة بين يوسف عليه السلام وامرأة العزيز ما هي إلا واجهة المواجهة الحقيقية بين يوسف عليه السلام والشيطان أراها واضحة فلنتأمل هذه الآيات الكريمة
(وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَ ٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ)
[سورة يوسف 24]
أولا القرآن يصف يوسف عليه السلام هنا أنه من عباد الله المخلصين فمن هم عباد الله المخلصون ،أليس هم الذين استثناهم الشيطان من نجاحه في إغوائهم
(قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِیَنَّهُمۡ أَجۡمَعِینَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِینَ )
[سورة ص 82 - 83] -
إذا الموضوع هنا يتعلق بالشيطان ومحاولة إغوائه ليوسف عليه السلام بارتكاب السوء والفحشاء وليس متعلقا في الأصل بامرأة العزيز ثم
ثانيا الله يتحدث عن صرف السوء والفحشاء عن يوسف عليه السلام والقرآن أيضا يقول
(یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ حَلَـٰلࣰا طَیِّبࣰا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَ ٰتِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوࣱّ مُّبِینٌ إِنَّمَا یَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوۤءِ وَٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ)
[سورة البقرة 168 - 169]
ألم يستخدم القرآن نفس عبارة السوء والفحشاء في الحديث عما يأمر به الشيطان ،إذا في قصة يوسف عليه السلام الشيطان كان يسعى إلى أن يغوى نبي الله بارتكاب السوء والفحشاء يهييء له الظروف ليدفعه إلى ذلك ،الجو كله يدعو ويزين ويدفع إلى ارتكاب السوء والفحشاء
ثالثا الرسول عليه الصلاة والسلام حذر من الخلوة بين الرجل وامرأة اجنبية بدون محرم لان الشيطان سيكون ثالثهما يدفعهما إلى ارتكاب المحرمات ،ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم وقال صلى الله عليه وسلم ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا إذا كان ثالثهما الشيطان رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما ،وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس بينها وبينه محرم ،ويوسف عليه السلام وجد نفسه رغما عنه في هذه الخلوة المحرمة مع امرأة العزيز عندما غلقت الأبواب
،
(وَرَ ٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِی هُوَ فِی بَیۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَ ٰبَ وَقَالَتۡ هَیۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّیۤ أَحۡسَنَ مَثۡوَایَۖ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ)
[سورة يوسف 23]
القرآن يستخدم اللام المشددة في لفظ وغلقت لبيان أنها أغلقتها بشدة إمعانا في الحرص على هذه الخلوة بينها وبين يوسف عليه السلام والتي لابد أن يكون الشيطان هو الثالث لهما كما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام
الموضوع هنا إذا يتعلق بشيطان يتعرض لعبد من عباد الله المتبعين صراطه المستقيم ليضله
(قَالَ فَبِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَ ٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ)
[سورة الأعراف
أقعدن لهم صراتك المستقيم اي اصدهم عنه وازين لهم الباطل 16]
ودور امرأة العزيز هنا هو أنها الأداة التي يستخدمها هذا الشيطان يوحي اليها ما تفعله تراود يوسف عن نفسه ،تغلق الأبواب ،تقول له هيت لك ،لو نظرنا لهذه الآيات من هذا العمق ستنجلي لنا أمورا كثيرة
الحقيقة أن دور امرأة العزيز في قصة يوسف عليه السلام هو نفس دور الشجرة في قصة آدم عليه السلام فكلا من الشجرة وامرأة العزيز هي أداة المعصية ولكن بينما تتفاعل امرأة العزيز مع الشيطان ،الشجرة لا تمتلك مثل هذا التفاعل ،كل الأمر أنه يفهم من القرآن أن الشجرة ربما كان منظرها يغري بالأكل منها، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام بالابتعاد عنها، والتزم آدم بهذا الابتعاد في البداية وعلى ذلك استوجب الأمر ان يقوم الشيطان بالعمل وحده أولا على جذب آدم نحو الشجرة وثانيا حثه واغوائه بالاكل منها
والطريقة التي لفت إبليس آدم عليه السلام نظره إلى الشجرة التي كان آدم يلتزم بتحذير الله له من مجرد الاقتراب منها ، فضلا عن تحذيره من الشيطان نفسه تدل على تمكن واقتدار الشيطان.
ننظر إلى قوله
يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى، أسلوب الشيطان يبدو لو كان أسلوب الصديق المحب الذي يريد لصديقه الخير، وليس العدو المبين الذي يريد الشقاء لآدم بإخراجه من الجنة ،تلبيس الأمور الذي يبرع فيه جيدا فدور إبليس هنا واضح وهذا مفهوم لأن في حالة آدم كانت هذه أول مرة يقوم فيها الشيطان بالتعرض لبشر بالإغواء فلابد أن يكون دوره وأساليبه وكل ما يفعله واضح تماما ،والحقيقة أن القصة القرآنية التي تتحدث عن تعرض إبليس لآدم عليه السلام وزوجه بالإغواء تحتوي عناصرها على كل التفاصيل التي تحدث عندما يقوم الشيطان وأعوانه بالتعرض لباقي ذرية آدم بالإغواء ،ليس فقط فيما يتعلق بأسلوب الإغواء ولكن حتى فيما يتعلق بالمشاعر التي تجتاح الضحية بعد الوقوع في المعصية والسلوك المثالي الذي يجب أن يتبع إذا حدث ذلك .
اما في حالة امرأة العزيز فهي شيطان من الانس يتفاعل مع شيطان من الجن ويستمع ويقوم بتنفيذ ما يوحيه اليه وعلى ذلك كان الشيطان يعمل بخفاء من وراء امرأة العزيز ولا يبدو في الصورة تماما كما يحدث عندما يتعرض الشيطان بالإغواء لباقي البشر
المفسرون دائما يتحدثون عن الظروف البالغة الصعوبة التي كان يوسف عليه السلام فيها والتي تيسر له بل تدفعه دفعا إلى الإقدام على ارتكاب هذه المعصية ولكن قبل الحديث عن هذه الظروف أود أولا التعرض للقوى العاتية التي تكالبت على يوسف عليه السلام والتي كان عليه أن يواجهها كلها ليخرج من هذا الموقف البالغ الصعوبة بريئا طاهرا نقيا
فأما القوة الأولى فهي هذا الشيطان من شياطين الجن الذي يريد أن ينفذ وعيد ه بإغواء عبد من عباد الله المتبعين لصراته المستقيم ويستخدم مكره ودهائه وكل الظروف المهيأة ،المتاحة للإيقاع بيوسف عليه السلام
وأما القوة الثانية فهي شيطانه من شياطين الإنس لن يجد الشيطان خيرا منها لتحقيق هدفه اللعين ،امرأة لا خلاق لها ولا مبادئ ولا شيء ولا اعتبار يوقفها عن المضي في الاستجابة لشهواتها اللعينة
أما القوة الثالثة فهي القوة التي لا يمكن للقوتين الأخرتين أن تعملا إلا من خلالها ،هي أمكن القوى الثلاثة من يوسف عليه السلام والتي يؤدي غيابها إلى بطلان عمل الشيطان وامرأة العزيز ،إنها الجانب البشري من نفس نبي الله يوسف عليه السلام ،الجانب الذي يجعله قابلا للتأثر بعوامل الإغواء التي تمارسها عليه امرأة العزيز بوحي من الشيطان ولذلك أكد القرآن على وجود هذه القوة في أكثر من موضع
(وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَ ٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ)
[سورة يوسف 24
هم بها معناها تأثر بهمها به فهمها هو هم الإغواء والإغراء ،وهمه هو الميل القلبي كما يقول المفسرون والميل القلبي يعني التأثر بما تقوم به امرأة العزيز لدفعه الى مجاراتها ،وهذا الميل القلبي والتأثر ناتج من الجانب البشري في نفس يوسف عليه السلام المعصية تحدث عندما تحدث استجابة لهذا الهم وعلى ذلك فعلى يوسف عليه السلام أن يقاوم هذا الهم او الميل القلبي أو التأثر ويجاهد نفسه كي لا يستجيب وتقع الكارثة ،هذا الجانب البشري إذا قوة عاتية تحتاج إلى مقاومة أقوى منها
(قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَیَّ مِمَّا یَدۡعُونَنِیۤ إِلَیۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّی كَیۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَیۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَـٰهِلِینَ)
[سورة يوسف 33]
مرة أخرى يؤكد القرآن على وجود هذا الجانب البشري في نفس يوسف بل يصور أيضا معاناته من وجود هذا الجانب ،،نفس يوسف عليه السلام مثل نفس اي بشر تصبو وتميل وتهم ،وعندما يبدي يوسف عليه السلام خوفه وقلقه من أن يصبو إلى هؤلاء النسوة فيكن من الجاهلين فهذا دليل على أن يوسف وهو الأعلم بالقطع بنفسه يعلم ما عاناه وهو يقاوم هذا الهم بامرأة العزيز ،حتى انه يخشى أن يقع هذه المرة فيما نجا منه المرة السابقة
هذا بالنسبة للقوى التي كان على يوسف أن يجابهها جميعا ،فماذا عن الظروف البالغة الصعوبة التي كانت تحيط به
أولا كان يوسف شابا في مقتبل العمر ،وفي هذه الفترة يكون التأثر بعوامل الإغراء على أشده ،الميل القلبي في اعلى حالاته
ثانيا المرأة التي كانت تراوده عن نفسه امرأة جميلة محنكة ،قوية ،سيدة المنزل الذي يقيم فيه بالإضافة إلى انها سيدته هو فعلى الرغم من المعاملة الطيبة التي كان يلقاها يوسف في بيت العزيز بتوصية منه لامرأته فالحقيقة انه جاء الى هذا البيت كعبد اشتراه صاحبه ممن وجدوه بثمن بخس كانوا فيه من الزاهدين وهذا الوضع يجعل يوسف أو المفروض أن يجعله يخجل أو يجعله لا يقوى على رفض طلب امرأة العزيز
ثالثا الأبواب التي غلقتها امرأة العزيز فلا أحد يطلع على ما يجري وراء هذه الأبواب المغلقة ولا خشية من ذلك
رابعا ،يوسف عليه السلام كان غريبا ومن طبيعة الأمور أن الإنسان يمكنه أن يقدم على فعل أشياء في غربته لا يسمح لنفسه أن يأتيها وسط معارفه وأهله
خامسا يوسف عليه السلام كان إنسانا تقيا ورعا وابوه كان نبي الله يعقوب وجده كان نبي الله اسحق ووالد جده كان نبي الله ابراهيم عليهم الصلاة والسلام جميعا ،وعندما تعتمد المعصية في ارتكابها على شخصين يختلفان في تقواهما فغالبا تكون النتيجة في صالح الأقوى فيهما يجذب الآخر إليه ،نرى ذلك في قصة اصحاب المغارة الذين توسل كل منهم بعمل صالح قام به فذكر احدهم انه ارتدع وابتعد عن الاقدام على ارتكاب الفاحشة عندما دعته المرأة التي ما دفعها الى هذا الموقف الا الجوع والحاجة الى تذكر الله وان يتقيه ،فكان المفروض والوضع كذلك وكان يوسف او المفروض ان يكون بهذه القوة ان يتغلب على اندفاع امرأة العزيز نحو ارتكاب ،الفاحشة ويجعلها ترتدع ولكن المشكلة ان امرأة العزيز كانت في نفس قوة يوسف عليه السلام ولكن في الاتجاه المضاد كانت ندا ليوسف عليه السلام ،كان يكفي منها أن تسمع هذه العبارة التي لو تدبرت لعلمت انها تشكل اهانة كبرى بالنسبة لها لتتوقف فى الحال فقد قال يوسف لها بعد أن راودته عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك
(وَرَ ٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِی هُوَ فِی بَیۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَ ٰبَ وَقَالَتۡ هَیۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّیۤ أَحۡسَنَ مَثۡوَایَۖ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ)
[سورة يوسف 23]
كان رد يوسف عليه السلام إنه ر بي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون
لم يقل لها أخشى لو علم ربي أوسيدي العزيز بما تريدينني أن أفعله أن يغضب مني غضبا شديدا أو يبطش بي ،المفروض أن هذا هو منطق العبد في مثل هذا الموقف لن يفكر إلا فيما سوف يفعله سيده به إذا علم بخيانته لأنه على الرغم من المعاملة كإبن فهو في حقيقة امره على الأقل من وجهة نظر امر أة العزيز ليس سوى عبد اشتراه زوجها ويظهر هذا في بعض مواقفها ،عندما امرته بعد ذلك أن يخرج على النسوة اللاتي دعتهن لمنزلها لترد على مكرهن وانتقادها انها تراود فتاها عن نفسه ،وفي قولها وإن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين ،إنها السيدة الآمرة الناهية وزوجها هو صاحب البيت ولكن يوسف لم يكن يتحدث بمنطق العبيد هذا ولكن يتحدث كأفضل ما يتحدث السادة بما عندهم من مبادئ وأخلاق واعتبارات ،سيده الذي أحسن مثواه وعامله كإبن وأتمنه على بيته لا يجب أن يخونه ،هذا عمل بشع ،قبيح ظلم بين ولا يفلح الظالمون ،ويجب أن نتذكر أيضا أن يوسف عليه السلام الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ،لم يغب عن باله هنا أيضا أن صاحب الفضل الأول عليه هو الله سبحانه وتعالى الذي دبر له هذا المثوى الكريم ،ما تريد منه امرأة العزيز أن يفعله هو استغلال النعمة العظيمة التي أنعم الله بها عليه في معصية الله نفسه واستغلال ثقة العزيز فيه في خيانته فأي ظلم هذا يظلمه لنفسه بمعصية الله المنعم وخيانة من أجرى الله النعمة على يده
فإذا كان الاعتبار الذي يمنع هذا العبد من مقارفة الفحشاء مع سيدته هو عدم مقابلة احسان العزيز إليه بالإساءة اليه فمن الأولى بإعمال هذا الاعتبار ،أليس هذه السيدة الحرة التي كانت تبدو كسيدة لها وضعها ومكانتها في البيت بل وفي البلدة كلها ،كان من المفروض والحال هذه أن توقظها كلمات يوسف عليه السلام وتشعر بالخجل بل والإهانة وترتدع وتثوب إلى رشدها ولكن الشهوة كانت مسيطرة عليها فلم تنتبه لما تحمله كلماته و بدلا من ذلك تمادت وظلت سادرة في غيها واستبقته الباب وهو يحاول الهرب كان هذا أيضا من الظروف الصعبة التي كانت تظل هذا الموقف ،سيدة مندفعة نحو المعصية لا يوقفها شيء ولا تتاثر بكلام ،كانت كما ذكرت في نفس قوة يوسف عليه السلام ولكن في الاتجاه المضاد
من الملاحظ هنا أن المعصية قد عرضت على يوسف عليه السلام في أشد صورة من حيث القوى التي اتحدت ضده وكان عليه أن يواجهها كلها ومن حيث الظروف الغاية في الصعوبة التي كانت تعمل هذه القوى من خلالها ،وعندما يتمكن يوسف من النجاة وسط هذا كله فلابد أن تكون قدرته على التغلب على كل هذا هي قدرة في نهايتها العظمى وعندما تكون عوامل الوقوع في الخطيئة وعوامل النجاة منها في قمتها فهذا الوضع هو أقدر وضع على توفير القدوة والعظة والنموذج حتى لا يتعلل إنسان قارف الخطيئة أن الظروف التي كانت تحيطه وتدعوه لاقترافها أصعب من الظروف التي كانت تحيط بيوسف عليه السلام ،فليس هناك ما هو أصعب مما مر به هذا النبي الكريم
والآن نأتي إلى تفسير آية
(وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَ ٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِین
ما معنى همت به وهم بها ،هم امرأة العزيز بيوسف معروف ونفهمه من أفعالها السابقة ،فقد راودته عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ،هم الإقبال على ارتكاب المعصية بكل قوة وتصميم ،هم الإغراء والإغواء ،ولكن ما معنى هم يوسف الذي قد رد عليها منذ قليل بقوله إنه ربي أحسن مثواي انه لا يفلح الظالمون ،بعض المفسرين يقولون هل من المعقول بعد قوله هذه العبارة أن يصدر من يوسف عليه السلام مباشرة ما يناقضها ،وهو نبي الله الكريم ،ويفسرون همه بأنه ربما هم بضربها وهو تفسير فضلا على أنه ليس عليه أي دليل من الآيات فهو بعيد عن المنطق ،أولا لأن وضعها بالنسبة له ووضعه بالنسبة لها لا يسمحان بهذا ،وثانيا لأنه ليس بحاجة أن يفعل وخصوصا ان القرآن ذكر انه تصرف تصرفا آخر وهو استباقها الباب ،البعض الآخر يقول بما أن لولا حرف امتناع لوجود ،بمعنى لولا رؤيته برهان ربه لهم بها ،وهذا القول لا أقتنع به ولا أفهمه حتى من الآية فالآية تثبت حدوث هم يوسف بها ولا تنفيه فلولا هنا لا تعود على مطلق الهم ولكن على ما هو المفروض أن يسفر عنه هذا الهم ،وأود أولا أن اوضح نقطة
الذين يرونه انه من غير المعقول او من المستبعد بعد ان يقول يوسف عليه السلام انه ربي احسن مثواني انه لا يفلح الظالمون أن يأتي بما يخالف هذا
وأنا هنا لا اتحدث عن يوسف عليه السلام بالذات ولكن اي انسان تقي يعرض عليه ارتكاب معصية او كبيرة
،أرى أن هذا ليس ضروريا ،أي إنسان له اعتباراته الدينية الصحيحة وخشيته من الله ،عندما يعرض عليه أن يأتي بمعصية لابد أن يكون رده الأولي هو الرفض الشديد ،وكثيرا ما يذكر مبررات رفضه انها معصية ،ولكن ،ليس في كل الأحوال يستمر حاله هكذا ،مهمة الشيطان والقوى والظروف التي يتم استغلالها بكل طاقة ان توهن من عزيمة هذا التقي فقد يقدم علي فعل ما كان يستهجنه من قبل ،القرآن عندما يذكر استنكار يوسف خيانة من احسن مثواه انما يسجل ما كان عليه يوسف عليه السلام من تقوى وورع وقيم ،فإذا تصورنا أنه تحت وطأة هذه الظروف الصعبة لان يوسف واصبح اكثر استعدادا للاستجابة فلابد أن يصور القرآن ما الذي جعل يوسف يتغير فجأة لأن القصة ليس الغرض منها سرد وقائع ولكن الموعظة والعبرة وبما أن القرآن لم يذكر شيئا من هذا فلابد أن يكون يوسف عليه السلام قد بقى على موقفه هذا وأنا أقول هذا للرد على من نسبوا ليوسف عليه السلام ما لايمكن قبوله وانه لم يمتنع عن ارتكاب هذه الكبيرة إلا مرغما فصوروا برهان ربه على انه ربما رأى صورة والده عاضا على إصبعه ،أو آية قرآنية في السقف أو جبريل عليه السلام جاء في الوقت المناسب لينقذه ،هذا فضلا عن انه لا يوجد ادنى دليل على اي من هذه التفسيرات فهي مرفوضه في حق نبي مثل يوسف ،عليه السلام ،إن كان ما يمنع يوسف عن المضي في ارتكاب الفحشاء هي مثل هذه التدابير الشديدة فالكل معذور في ان يفعل كل ما يغضب الله طالما لم تتوفر له مثل هذه الموانع القوية ،هذا كلام غير مقبول بالكلية ،مرفوض تماما
فما هو إذا هم يوسف عليه السلام ؟
معظم المفسرين يرون أن هم يوسف بامرأة العزيز هو مجرد ميل قلبي ،وهذا هو المقبول ولنتعمق قليلا في الأمر
لكي يتم حدوث المعصية هنا لابد أن يكون هناك أولا مؤثرات تدفع لارتكابها وهي هنا القوى التي تكالبت على يوسف عليه السلام والظروف التي تعمل من خلالها هذه القوى والتي تجلت كلها في مراودة امرأة العزيز يوسف عن نفسه وهمها به ،وثانيا تأثر يوسف بكل هذا من خلال الجانب البشري فيه والذي كان أيضا حاضرا بكل قوة بسبب شبابه وغربته
التأثر هو مطية الاستجابة
القرآن الكريم استخدم لتأثر يوسف نفس التعبير الذي استخدمه لمحاولة امرأة العزيز التأثير عليه تعبير الهم ،لحظة الهم هذه هي أخطر لحظة ،هي اللحظة التي تسبق مباشرة وتدفع إلى الاستجابة والتي تحتاج للتغلب عليها قوة خارقة ،وضع الإنسان هنا كوضع من يقف على قمة طريق شديد الانحدار ،نعم هو الآن يقف على القمة ولكن ما يتوقع له بعد لحظات هو ان ينحدر بشدة نحو القاع ،ولكي يتغلب على هذا الانحدار يجب أن تكون لديه قوة تفوق قوة الجاذبية التي تدفعه إلى أسفل وعلى ذلك فالتعبير القرآني ولقد همت به وهم بها يعني ان هم الإغراء من جانبها قد تبعه هم التأثر من جانبه بهذا الإغراء بما يدل على اكتمال العناصر اللازمة لارتكاب الخطيئة وعلى هذا لم يبق إلا أن يستجيب لهذا التأثر فتقع المعصية إذا لولا هنا تعود على الاستجابة لهمه بها وليس على الهم نفسه
الحقيقة كما سأوضح فيما بعد أن فهم الآية يعتمد على فكرة مخالفة لما يظنه الكثيرون ،فهم يرون أن رؤية البرهان هي التي تسببت في نجاة يوسف عليه السلام من الوقوع في المعصية ،ولكن ما أفهمه هو أن نجاة يوسف عليه السلام من ارتكاب الفاحشة هو الذي أدي به لرؤية برهان ربه
والآن إلى هذا السؤال أو الأسئلة الهامة ،ما هو البرهان الذي رآه يوسف عليه السلام ،وثانيا طالما وصف بأنه برهان فلابد أنه يبرهن على شيء ما
فعلى ماذا يبرهن ،وثالثا كيف رأي هذا البرهان أو كيف أدت نجاة يوسف عليه السلام من الوقوع في المعصية إلى رؤية البرهان
وسأبدأ بإجابة السؤال الثاني، ما الذي كان يبرهن عليه هذا البرهان ويقدم الحجة القاطعة على وجوده، إنه كون يوسف عليه السلام من عباد الله المخلصين، الذين لا يمكن للشيطان أن يغويهم أو يوقع بهم
فما هو البرهان نفسه البرهان هو شيء من ضروريات ولزوميات عباد الله المخلصين
هو نفس قوية لا يمكن التغلب عليها أو اختراقها من الشيطان مهما كانت الأساليب التي يتبعها معه ومهما كانت إمكانات أو قدرات شياطين الإنس الذين يستعملهم ومهما كانت الظروف المهيأة أمامه ، نفس على مستوى نبي معصوم ، تجسد صورة من كمال أخلاق النبوة , عبد من عباد الله المخلصين ,
فكيف رأى يوسف هذا البرهان ، او ما المقصود بالرؤية هنا ؟
أولا هل كون يوسف عليه السلام من عباد الله المخلصين حقيقة سابقة على هذا الموقف، أم أن هذه الصفة استحدثت هنا ؟ ، طبعا لا يمكن تصور إلا أن نفس يوسف عليه السلام كانت تحمل كل سمات وملامح عباد الله المخلصين من البداية ولكن الذي استحدث في هذا الموقف هو الرؤية ، هو اطلاع يوسف عليه السلام على هذه الحقيقة ، الآن فقط علم يوسف إلى أي فريق ينتمي ، وأنى له أن يعلم قبل ذلك ولم يكن له مثل هذا الاحتكاك بالشيطان سابقا ، وحتى بعد هذا الاحتكاك وبعد اطلاعه على هذه الحقيقة وبعد نجاته في هذا الاختبار الصعب ، نجده ما زال يتخوف من تعرضه لمكر النسوة الذي لا يمكن أن يصلن إلى قدرات وإمكانيات ووضع امرأة العزيز ، فلماذا ، ألم ير بنفسه البرهان على أنه من عباد الله المخلصين الذين لا يستطيع الشيطان الإيقاع بهم ؟ هذا هو الدليل الثالث على أن هذا الإخلاص لله هو بعوامل إيجابية ، أمامنا مجموعة من هذه العوامل ، ولو تأملنا لوجدنا أن كل كلمة من كلام يوسف عليه السلام تحمل عاملا من عوامل النجاة من براثن الشيطان وإغوائه ، فهو هنا
اولا يستعين بالله ويدعوه ان يصرف عنه كيد هؤلاء النسوة ، وكان صرف الكيد نتيجة لاستجابة الله لدعائه ، فهل هناك إيجابية أكثر من هذا؟ ، وهل هذ العامل متاح للجميع ،نعم طبعا لأن الله هو السميع العليم ليس ليوسف فقط ولكن لكل من يدعوه ويستعين به .
والسؤال هو لماذا لم يتوجه يوسف عليه السلام إلى الله بهذا الدعاء ويطلب إليه أن يصرف عنه كيد امرأة العزيز بعدما غلقت الأبواب ودعته إلى ما دعت إليه ؟ الحقيقة أن يوسف عليه السلام وجد نفسه فجأة في قلب المعركة ولم يكن لديه فسحة من الوقت يخلو إلى الله ويستجير به ، ولكن كان هناك العامل الثاني من عوامل النجاة ، وهو قدرة يوسف الخارقة على مجاهدة النفس ، هذه القوة العظيمة التي لا تعلي إلا أوامر الله ، نعم نفسه تهم وتميل وتصبو فهو بشر لكن ليس هذا هو الذي يحركه ويحكم تصرفاته ، فهو ليس إلهه هواه ،ولكن إلهه الله سبحانه وتعالى ما يرضيه وما يسخطه هو ما يحكم أفعاله وسلوكياته وتصرفاته ، وهذا العامل هو أصعب العوامل جميعا في القدوة ولذا فإنه هنا رأى برهان ربه .
عامل ثالث من عوامل النجاة وهو ان يعلم مواطن الخطر ويقدرها حق قدرها ، ولا يستهين بها ، يتضح هذا من قوله ، وإلا تصرف عني كيدهن فهو هنا يعطي هذا الكيد ما يستحقه من اهتمام واستعداد ، الاستهانة بمواطن الخطر تجعل الإنسان لا يأمن الوقوع فيه .
أما العامل الرابع فهو عدم الإسراف في الثقة بالنفس ، فعلى الرغم من انتصار يوسف عليه السلام في معركته مع الشيطان وامرأة العزيز ، إلا أن هذا لم يجعله يغتر بهذا النصر ويعتقد أن لا شيء
هذا الدعاء أيضا بهذا الأسلوب بما يعني طلب صرف الكيد من البداية وليس التثبيت ضد هذا الكيد يعني البعد عن مواطن الفتنة وعدم تعريض النفس لما لا تطيق
3- كلمة كيدهن تحمل كل معنى تقدير مواطن الخطر حق قدرها وعدم الاستهانة بها
4- أصب إليهن وأكن من الجاهلين تفيد عدم الإسراف في الثقة بالنفس وتقديره وفهمه لبشريتها وعرضتها لارتكاب الذنوب
5-قوله السجن أحب إلى مما يدعونني إليه يعني نظرته البالغة الخوف إلى الوقوع في الذنوب والآثام
وهناك العامل السادس الذي تجلى في مواجهته مع امرأة العزيز وهو مجاهدة النفس بشدة وعدم الاستسلام لها وعدم إعلاء غير أوامر الله ونواهيه كل هذه العوامل متاحة للجميع ليقتدوا بها ، فالعبرة في هذا الجزء الهام من سورة يوسف موجود وواضح .
نعود إلى هذه العبارة في القرآن الكريم : لولا أن رأى برهان ربه
رأى برهان ربه ثلاث كلمات ولكننا نستخرج منهم ثلاثة معلو مات في غاية من الأهمية
الأولى وجود البرهان أصلا، لأن الشيء الذي يرى لابد أن يكون موجودا ، كما ذكرت هو نفس قوية تقية لا يمكن اختراقها من الشيطان وأعوانه ، مهما فعل ، نفس تنتمي إلى فريق المستثنى في قوله لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ، نفس ليس فيها إلا الله ، يبرهن وجودها على أن هذا العبد من عباد الله المخلصين
المعلومة الثانية ،أن هذه الحقيقة ، حقيقة أن يوسف عليه السلام من عباد الله المخلصين كانت قبل التجربة مختفية ، تنطوي عليها نفس يوسف ، لا يمكن رؤيتها ، الاحكاك بالشيطان وأعوانه ، وسط هذه الظروف البالغة الصعوبة ، ادى إلى صدور سلوك عملي إيجابي من يوسف ،فقد رفض دعوة امرأة العزيز بل سارع بالفرار من المكان كله هنا تحولت هذه الحقيقة المخفية إلى شيئ قابل للرؤية ، قابل للاطلاع عليه
المعلومة الثالثة بعدما أصبحت حقيقة أن يوسف عليه السلام كان من عباد الله المخلصين قابلة للرؤية ، والإدراك ، أصبح في إمكان يوسف الآن أن يعرف إلى أي فريق ينتمي ، إنه من فريق عباد الله المخلصين، الآن فقط رأى يوسف برهان ربه.
أريد أن أوضح هذا الكلام بآية أخرى ، ومثال من الحياة ، والصورة المقابلة في القرآن
أما الآية فهي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
[سورة المائدة 94]
الله سبحانه وتعالى يعلم بعلمه اللدني من يخافه بالغيب ومن لا يخافه ، ولكن الله هنا يتحدث عن علم الواقع ، والسؤال هو هل الخوف من الله او عدم الخوف شي سابق على هذا الابتلاء بشيء من الصيد تناله الأيدي والرماح أم أنه استحدث بعد ه ، أو بسببه ؟ من المعلوم أن وجود الخوف من الله وكذلك عدم وجوده هي سمة من سمات النفس البشريه ، هناك عبد يخاف الله وعبد لا يخافه ، عبد يتقي الله وآخر لا يتقيه وهذا لا يستحدث بسبب المواقف والابتلاءات ، ولكن الابتلاء هو الذي يظهر ما تنطوي عليه النفوس من الداخل ،فالله سبحانه وتعالى يقول أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)
[سورة العنكبوت 2 - 3]
فقبل وجود الصيد في متناول الأيدي والرماح ،لم يخالف أحد أمر الله بتجنب الصيد وقت الإحرام وكان السبب هو عدم الاستطاعة ، هذا الوضع لم يفرق بين الفريقين ، أما وقد أصبح الصيد في متناولهم وأصبح في مقدور الجميع أن يفعلوا أصبح الدافع الوحيد لمن لا يفعل هو خوف الله سبحانه وتعالى وتقواه ، يعني هذا العبد كان يحمل في داخله البرهان على الخوف من الله ، الابتلاء بجعل الصيد في متناول يده ورمحه ، هو الذي جعل هذا البرهان قابل للرؤية ، تماما مثل الحال في موضوع يوسف ، من الذي رأى البرهان ؟ يوسف عليه السلام ، لماذا وحده ؟ ألم تكن هناك امرأة العزيز أيضا، لماذا لم ترى أيضا البرهان على أن يوسف عليه السلام كان من عباد الله المخلصين ؟
أولا لأنها لا تعلم ولا تدرك مثل هذه الأمور فليست لديها هذه المقاييس والمرجعيات
ثانيا لأن الأعمال بالنيات ،فلو حتى كانت تدرك هذه المعاني فهي لم ترى إلا ما ظهر أمامها وهو رفض يوسف مجاراتها ولواذه بالفرار ، ربما يكون الدافع هو خوفه من العزيز على الرغم مما قاله أو أي دافع آخر ، يوسف فقط هو الذي يعلم ما الذي صرفه ، إنه برهان ربه الذي رآه
نأتي الآن إلى المثل الذي يوضح رؤية البرهان:
لو فرضنا أن هناك طبيبا نابغة في أمراض القلب ، في جراحات القلب على وجه الخصوص ، هذا الطبيب لديه في عقله كم من العلم والمعلومات في هذا المجال يميزه عن أي عقل آخر ، تتمتع يداه بقدرات خاصة فائقة في إجراء هذا النوع من العمليات تميزها عن يدي أي إنسان آخر ، ينبض ضميره بأخلاق خاصة بهذه المهنة تجعله يختلف عن أي ضمير آخر ، هذا الشخص إذا يحمل في عقله ويديه وضميره برهان على أنه جراح قلب ماهر نادر ولكن : هل يبدو عليه هذا البرهان وهو يسير في الطريق أو يقود سيارته ، لا يمكن رؤية هذا البرهان عليه إلا عندما يقوم بإجراء عملية دقيقة ناجحة لقلب مريض لا يستطيع القيام بها إلا من يحمل مثل هذا البرهان ، ويرى هو هذا البرهان في نفسه عندما يتحمل لأول مرة المسئولية الأولى في القيام بهذه العملية الناجحة فيستدعي كل هذه القدرات ، وينجح في إنجاز المهمة لأولى في القيام بهذه العملية الناجحة فيستدعي كل هذه القدرات ، وينجح في إنجاز المهمة الصعبة
هناك نقطة مهمة يجب جلاؤها:
القرآن يقول لولا أن رأى برهان ربه فهل يفهم أن الرؤية أي اطلاع يوسف في حد ذاته على حقيقة أنه من عباد الله المخلصين هو الذي عصم يوسف من الوقوع في المعصية ؟
ما يفهم من ظاهر الآية أن رؤية برهان ربه هي التي عصمت يوسف عليه السلام من الوقوع في المعصية وعلى ذلك أخذ بعض المفسرين في البحث عن هذا البرهان الذي رآه فعصمه وشط بعضهم في هذا كثيرا ونسب إلى النبي الكريم ما لا يمكن قبوله في حقه ،ولكن الحقيقة أن نجاة يوسف عليه السلام هي التي ترتب عليها رؤية برهان ربه على أنه من عباده المخلصين ،
، الرؤية هنا نتيجة ثانية لوجود البرهان وتفعيله وهي مترتبة على النتيجة الأولى الأصلية التي هي النجاة ، القرآن يريد ان يخبرنا أن نجاة يوسف في هذا الموقف العصيب ما كانت لتحدث لولا أنه كان يحمل البرهان على أنه من عباد الله المخلصين ولذلك أدت نجاته لإدراك هذه الحقيقة ورؤيتها لأنه في مواقف أخرى لا تدل النجاة على أن صاحبها من عباد الله المخلصين فقد يكون الإغواء ضعيفا فلا يستجيب له إلا شخص فاسق أو فاجر ضعيف المقاومة فالنجاة منه تعني فقط أن صاحبه ليس كذلك ، الحقيقة أن نهاية الآية تفسر بدايتها (وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَ ٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ) [سورة يوسف 24]
لولا أن يوسف عليه السلام كان يحمل البرهان على أنه من عباد الله المخلصين ما صرف عنه السوء والفحشاء
وسأذكر هنا مثالا يوضح كيف ترتبت الرؤية على النجاة :
سفينة كانت تمخر عباب البحر ثم عصفت بها الرياح وارتفعت الأمواج وتعالت صرخات الركاب ورأوا أنهم هالكون لا محالة ولا أمل لهم في النجاة ولكن فجأة رأوا البرهان على حذق ومهارة ورباطة جأش وسرعة وحسن تصرف قائد السفينة حيث استطاع أن يتجاوز الموقف وينجو بالسفينة وركابها ،فهل رؤيتهم هذا البرهان هي التي سببت النجاة أم النجاة هي التي جعلتهم يروا البرهان ،والسؤال هو لماذا لا يصف القرآن الموقف في حالة يوسف عليه السلام بقوله ما معناه لولا أن يوسف كان من عباد الله المخلصين لتمكن الشيطان من إغوائه ،أو نقول في موضوع السفينة أنها كانت على وشك الغرق لولا مهارة وحذق ورباطة جأش قائدها ،أي التعبيرين أفضل ،هذين التعبيرين عبارة عن معلومة جامدة سرد مجرد لوقائع أما التعبير القرآني والتعبير الآخر الذي استخدم رؤية البرهان فقد حول الموضوع إلى صورة حية نابضة تبين عمق شدة الموقف وعمق الحاجة إلى هذه القدرات لأولى في القيام بهذه العملية الناجحة فيستدعي كل هذه القدرات ، وينجح في إنجاز المهمة الصعبة
هناك نقطة مهمة يجب جلاؤها:
القرآن يقول لولا أن رأى برهان ربه فهل يفهم أن الرؤية أي اطلاع يوسف في حد ذاته على حقيقة أنه من عباد الله المخلصين هو الذي عصم يوسف من الوقوع في المعصية ؟
ما يفهم من ظاهر الآية أن رؤية برهان ربه هي التي عصمت يوسف عليه السلام من الوقوع في المعصية وعلى ذلك أخذ بعض المفسرين في البحث عن هذا البرهان الذي رآه فعصمه وشط بعضهم في هذا كثيرا ونسب إلى النبي الكريم ما لا يمكن قبوله في حقه ،ولكن الحقيقة أن نجاة يوسف عليه السلام هي التي ترتب عليها رؤية برهان ربه على أنه من عباده المخلصين ،
، الرؤية هنا نتيجة ثانية لوجود البرهان وتفعيله وهي مترتبة على النتيجة الأولى الأصلية التي هي النجاة ، القرآن يريد ان يخبرنا أن نجاة يوسف في هذا الموقف العصيب ما كانت لتحدث لولا أنه كان يحمل البرهان على أنه من عباد الله المخلصين ولذلك أدت نجاته لإدراك هذه الحقيقة ورؤيتها لأنه في مواقف أخرى لا تدل النجاة على أن صاحبها من عباد الله المخلصين فقد يكون الإغواء ضعيفا فلا يستجيب له إلا شخص فاسق أو فاجر ضعيف المقاومة فالنجاة منه تعني فقط أن صاحبه ليس كذلك ، الحقيقة أن نهاية الآية تفسر بدايتها وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَ ٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ) [سورة يوسف 24]
لولا أن يوسف عليه السلام كان يحمل البرهان على أنه من عباد الله المخلصين ما صرف عنه السوء والفحشاء
وسأذكر هنا مثالا يوضح كيف ترتبت الرؤية على النجاة :
سفينة كانت تمخر عباب البحر ثم عصفت بها الرياح واستحمت الأمواج وتعالت صرخات الركاب ورأوا أنهم هالكون لا محالة ولا أمل لهم في النجاة ولكن فجأة رأوا البرهان على حذق ومهارة ورباط جأش وسرعة وحسن تصرف قائد السفينة حيث استطاع أن يتجاوز الموقف وينجو بالسفينة ورشابها ،فهل رؤية هذا البرهان هي التي سببت النجاة أم النجاة هي التي جعلتهم يروا البرهان ،والسؤال هو لماذا لا يصف القرآن الموقف في حالة يوسف عليه السلام بقوله ما معناه لولا أن يوسف كان من عباد الله المخلصين لتمكن الشيطان من إغوائه ،أو نقول في موضوع السفينة أنها كانت على وشك الغرق لولا مهارة وحذق ورباط جأش قائدها ،أي تعبير أفضل ،هذين التعبير عبارة عن معلومة جامدة سرد مجرد لوقائع أما التعبير القرآني والتعبير الآخر الذي استخدم رؤية البرهان فقد حول الموضوع إلى صورة حية نابضة وهي عمق شدة الموقف وعمق الحاجة إلى هذه القدرات